وأما تمكين القوافي
:
فينبغي للشاعر المجيد إذا اعتمد بناء قصيدة أن يتخير لها من القوافي أسهلها لفظا، وأوضحها معنى، وينفي الجافي عنها، ويميز القلق منها، ويسوق البيت إلى القافية سوقا موافقا حتى يكون ردفه وطبقه، فإذا أتى بذلك وقعت القافية مستقرة غير قلقة، ولا نافرة حتى لو أراد مريدو تبديلها بغيرها لم يستطع ذلك. فمن أحسن القوافي المستقرة قول زهير (¬1): [من الطويل]
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي (¬2)
فقوله: عم واقع موقعا لطيفا.
وقال المبرد: لا أعرف قافية وقعت أحسن موقعا من قول الحطيئة (¬3): [من الوافر]
هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
فموقع قوله: أضاءوا، ومن مظلمة موقع حسن.
وقول الصمة القشيري (¬4):
ألا يا غرابي بينها لا تصدعا ... وطيرا جميعا بالهوى وقعا معا (¬5) PageV01P286 # فقوله: وقعا معا حسن جدا، ولم يتفق مثله إلا لمتمم بن نويرة حيث يقول (¬1): [من الطويل]
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ومن ذلك قول النابغة (¬2): [من الكامل]
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
زعم الهمام ولم أذقه بأنه ... يروى بطيب لثاتها العطش الصدي
قوله: ندي، والعطش الصدي واقعتان أحسن موقع وأعجبه (¬3). PageV01P287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P288
والملائمة بين صدر البيت وعجزه
(¬1):
وهو أن يأتي الشاعر في صدر بيته بكناية عن معنى يتعلق عجزه بتمامها. ولا عيب أفحش من تخاذل أعجاز الأبيات وصدورها. وإنما سمي الشعر نظما لانتظام الألفاظ فيه كنظام اللآليء، وائتلاف الأبيات منه كائتلاف رصف الحلي بعضه إلى بعض، لأن الرائق من الشعر ما دل صدره على قافيته لاتساق نظمه، واتضاح معناه، كقول أبي تمام (¬2): [من البسيط]
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لاسود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
فهذه الملاءمة بين صدري البيتين وعجزيهما في غاية الحسن، وهو من محاسن الابتداآت، وإن كان قد أخذ المصراع الأول من قول الشاعر (¬3): [من الطويل]
محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
وكقول مهيار (¬4): [من الكامل]
ويئست حتى لو بصرت بنارهم ... لقرى شككت وقلت نار حريق PageV01P289 # لا يضحك الأيام كذب مطامعي ... إلا إذا طالبتها بصديق (¬1)