فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي
فتى شقيت أمواله بأكفه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
وحلاوة الاستعارة
(¬2): PageV01P203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P205
الاستعارة: أن يجعل الشاعر للشيء ما ليس فيه، فتتسع عليه العبارة، ويزدان بذلك اللفظ، ويروق به المعنى، فقد قيل في المثل: من براعة العبارة حسن PageV01P206 # الاستعارة. ولذي الرمة فيه التقديم بقوله (¬1): [من الطويل]
وأشعث مثل السيف قد لاح جسمه ... وجيف المهارى والهموم الأباعد
سقاه السرى كأس النعاس فرأسه ... لدين الكرى من آخر الليل ساجد
جعل للنعاس كأسا، وللكرى دينا من غير حقيقة، تزيينا للعبارة. وكقول بعض المحدثين (¬2):
يا طيب مرعى مقلة لم يخف ... بروضتيه زجر حراس
رعت بخد لم يفض ماؤه ... ولم تحطه أعين الناس
ولطف المخلص
:
وهو حسن خروج الشاعر من التشبيب بالنسيب إلى مدح أو ذم، وهو الشاهد للشاعر بالحذق والبراعة، وعنده يترصد السامع عثراته، ومتى وفق الشاعر لحسن مخلصه، غفرت الأسماع له ما كان من خطأ، أو تقصير في إبداع معنى، أو جودة لفظ؛ لأن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد من الأجزاء، أو باينه في صحة التركيب، غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي جماله. وما زال حذاق الشعراء، وأرباب الصنعة من المحدثين يحترسون في مثل هذه الحال احتراسا، يحميهم من معايب النقصان، ويهديهم إلى محجة الإحسان، ليحصل الاتصال، ويؤمن الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها، وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة والخطبة الوجيزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء كقول مسلم بن الوليد (¬3): [من الطويل]
أجدك هل تدرين (¬4) أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك تنشر PageV01P207 # نصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر
وهذا مذهب اختص به المتأخرون؛ لتوقد خواطرهم ولطف أفكارهم، واعتمادهم البديع، وتفننهم في أشعارهم. وأظنه مسلكا سهلوا حزونه، ونهجوا رسمه، فأما الفحول والأوائل، ومن تبعهم من المخضرمين الإسلاميين، فمذهبهم المتعارف فيه قول أحدهم: دع ذا، واذكر كذا، وعد عما ترى، وتجاوز عن كذا إلى كذا.
وقصار كل منهم وصف ناقته بالكرم والعتق، والنجابة والنجاء، وأنه خاض الليل بها، وقطع مفازة عليها إلى المقصود الممدوح. وهذه الطريق المهيع، والمحجة اللهجم وربما اتفق لأحدهم تخلص لطيف إلى غرضه من تعمد، إلا أن طبعه السليم وصراطه المستقيم، نصبا له مناره وأوقدا باليفاع ناره، كتخلص النابغة الذبياني إلى غرضه بقوله (¬1): [من الطويل]
فأسبل مني عبرة فرددتها ... على النحر منها مستهل ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت: ألما أصح والشيب وازع
وقد حال هم دون ذلك داخل ... مكان الشغاف تحتويه الأضالع PageV01P208 # وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع (¬1)
فهذا كلام متناسج، متلاحم متناسب، متلائم يقتضي أوائله أواخره. لا يتميز شيء منه عن شيء، ثم اعترض دون ذلك في وصف حاله عند علمه بوعيده، وتشبيه PageV01P209 # نفسه بالسليم من ذكر الحية، ووصفها بسوء سمها، وتناذر الراقين إياها بما أحسن فيه كل الإحسان، فقال (¬1): [من الطويل]