الأولى: الشهادة خبر، وكذلك الرواية، والدعوى، والإقرار، والمقدمة، والنتيجة، والتصديق والإنشاء، ولكل واحد من هذه خصوصية يتميز بها.
فالتصديق هو الواقع على القدر المشترك بين هذه كلها، من حيث إنه يلزمه أن نقيضه إنما هو التكذيب، ولكنه ذكر أحد النقيضين، والمقدمة جزء الدليل، والنتيجة هى القضية بعد أن صارت محققة بالدليل، وهى الدعوى والمطلوب قبل أن يستدل عليها.
الثانية: يقال: شهد بمعنى حضر، ومنه: فلان شهد بدرا، (¬25) وبمعنى أخبر، ومنه: شهد عند الحاكم، وبمعنى علم، ومنه قوله تعالى: {والله على كل شيء شهيد}، وقوله سبحانه: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة} (¬26)، يحتمل أن يكون من باب العلم، ويحتمل أن يكون من باب الإخبار.
الثالثة: روي معناه حمل، فراوى الحديث يحمله عن شيخه (أي بأخذه عنه، ويتلقاه منه)، ولهذا قال الناس: الراوية بناء مبالغة، هو حقيقة على الذي كثر منه الحمل، فهو - إذن - على المزادة التي فيها الماء بالمجاز، لمجاورتها للحامل، وذلك الجمل، فهو الذي يكثر منه الحمل. PageV01P274
القاعدة الثانية: نقرر فيها الفرق بين الخبر والإنشاء بعد تبيين كل منهما بخصوصيته، إذ قد تقدم لنا إجتماعهما في الخبرية في القاعدة التي قبل هذه
القاعدة الثانية: (¬27)
نقرر فيها الفرق بين الخبر والإنشاء بعد تبيين كل منهما بخصوصيته، إذ قد تقدم لنا إجتماعهما في الخبرية في القاعدة التي قبل هذه.
ثم الخبر هو المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته، والتصديق هو قولنا: صدقت، والتكذيب هو قولنا: كذبت، وهما غير الصدق والكذب من حيث إنهما وجوديان، والصدق والكذب عدميان، إذ هما بن باب النسب. وقولنا لذاته، احترزنا به عما لا يقبل ذلك لأمر خارج فإنه خبر، وهذا كخبر الله ورسوله لا يقبلان الكذب، كقولنا: الواحد نصف الإثنين. ومن الأخبار ما لا يقبل الصدق، كقولنا: الواحد نصف العشرة، لكنها لا لذاتها، بل كان هذا لشيء آخر، فإذا قلنا لذاته شمل جميع الأخبار: الصدق والكذب. (¬28)
فإن قيل: الأولى أن يقال: المحتمل للتصديق أو التكذيب، (¬29) فإن الصدق والكذب ضدان لا يجتمعان. PageV01P275
قلت: لا يلزم من تضاد المقبولين تضاد القبولين، ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم معا، وهما متناقضان، والقبولان يحسن اجتماعها، لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك القبول، فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم أن يكون ذلك الممكن مستحيلا، والمقرر أنه ممكن، هذا خلف، وإن كان المستحيل هو العدم لزم أن يكون (¬30) واجب الوجود لا ممكنه، هذا خلف، فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى المقبولان، فببفى (¬31) الواو.
فإن قيل (¬32): التصديق والتكذيب نوعان للخبر، والنوع لا يعرف إلا بعد معرفة الجنس، فتعريف الجنس بهما دور، قلت: القصد بالحد شرح لفظ المحدود وبيان نسبته إليه، فإن قولنا: الإنسان هو الحيوان الناطق حد صحيح، مع أن السامع يجب أن يكون عالما بالحيوان وبالناطق، وإلا لكان حدنا وقع بالمجهول، والتحديد بالمجهول لا يصح، فهو حينئذ عالم بالحيوان والناطق، ومن كان عالما بهما كان عالما بالإنسان، فإنه لا معنى للإنسان إلا هما، وإذا كان عالما بالإنسان تعين انصراف التعريف بالحد إلى بيان نسبة اللفظ، لأنه حمع لفظ الإنسان فعلم أن له PageV01P276 # مسمى مجملا لم يعلم تفصيله، فبسطنا له ذلك المسمى، وقلنا: هو الحيوان الناطق الذي أنت تعرفه، ولم يحصل له بالحد إلا بيان نسبة اللفظ، وخروجنا من حيز الإجمال إلى حيز التفصيل، ولذلك قال العلماء في حد الحد: هو القول الشارح، وبهذا يزول الدور عن حميع الحدود إذا كان مدركها هذا المدرك، نحو قولهم: العلم معرفة المعلوم، وما أشبه ذلك. (¬33)