أما حالة الكفر فلان التقريب بها من الكافر لا يتعقل ولا يصح حينئذ، وأما في حالة الاسلام فلانعقاد الإجماع على أن الإسلام يجب ما قبله.
والجواب أن نقول: نختار التكليف حالة الكفر. وقوله لا تصح، قلنا: مسلم، ولا يتحصل له مقصود، (¬224) لأن هذا الزمان ظرف. للتكليف فقط لا لإيقاع المكلف به، والإيقاع هو الذي لا يصح، ومعنى هذا أنه أمر في زمان الكفر أن يزيله ويبدله بالإيمان، ويفعل الصلاة في زمن الإسلام لا في زمن الكفر، فصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط، وزمن الإسلام هو للتكليف ولإيقاع المكلف به.
المسألة الثانية: المحدث مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطب بها في زمن الحدث إجماعا، والكفر هو الذي وقع الخلاف فيه، أما زمن الحدث فلا. ثم إن الإجماع انعقد على أن المحدث لا تصح صلاته في الزمن الذي هو فيه محدث، وإنما تصح في زمن الطهارة، وزمان الطهارة هو زمان التكليف بإيقاع الصلاة دون زمان الحدث، وزمان الحدث هو ظرف التكليف فقط.
قلت: كذا وقع هذا في الفروق لشهاب الدين رحمه الله، وآخر الكلام يناقض أوله. PageV01P215
فقوله: المحدث مامور بإيقاع الصلاة في زمن الحدث إجماعا، يخالف قوله في آخر المسألة: "وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط"، والآخر هو الحق، (¬225) وهذا إذا لم يكن مضطرا، فإن لم يجد ماء ولا صعيدا فهي المسألة حينئذ خلاف قد ذكره الفقهاء (¬226).
المسألة الثالثة: الدهري (¬227) مكلف بتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مع أنه جاحد للصانع، والأمر فيه كالأمر في المسألتين. (¬228) PageV01P216
القاعدة السابعة والعشرون نقرر فيها الفرق بين ما يطلب جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه، فنقول
القاعدة السابعة والعشرون (¬229)
نقرر فيها الفرق بين ما يطلب جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه، فنقول:
المطلوب في الشريعة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يطلب وحده ومع غيره، كالإيمان بالله تعالى وبرسوله، فإنه مطلوب في نفسه، وهو شرط في كل عبادة، والشرط مطلوب الحصول مع المشروط، إلا أنه قد يكتفى منه بالايمان الحكمي تخفيفا على العبد، ويكتفى بتقدمه فعلا (¬230)، وكالدعاء والتسبيح والتهليل مطلوبات في أنفسها، ومطلوب جمعها مع الركوع والسجود.
القسم الثاني: ما يطلب مفردا دون جمعه مع غيره، وهذا كالقرآة باعتبار السجود والركوع، لقوله عليه الصلاة والسلام: "نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا" (¬231)
القسم الثالث: ما يطلب جمعه دون افتراقه، كالركوع مع السجود في الصلاة، وكالحلاق مع الحج والعمرة، فإنه لا يكون قربة إذا انفرد، وإنما يكون قربة إذا اجتمع هكذا.
ثم وجه المناسبة قد يطلع عليه وقد لا، وما لا يطلع عليه نعلم أنه لحكمة وإن كنا لا نعرف وجهها. فالإيمان، وجه اشتراطه في العبادات حتى كان PageV01P217 # الجمع، (¬232) من حيث إنه أصل، وما سواه فرع، والجمع بين الأصل والفرع مناسب. وأما الدعاء مع السجود، والثناء مع الركوع، (¬233) وعدم القرآة معهما، فذلك في الدعاء من حيث إن العبد مأمور بالتعظيم لبارئه، وجعل له في ذلك التعظيم التشبه بفعل المتواضعين مع ملوكهم، كل ذلك ليرسخ في باطنه عظمة مولاه فينتفع بها, لا لأنه تعالى يلحقه من ذلك شيء، بل هو الغنى عن العالم، ولا ضرر يلحقه ولا نفع. والانحناء في الركوع تواضع، والسؤال مناسب له، وتواضع السجود أكثر، فكانت الرغبة منه أجدر بالإجابة، ولهذا قيل: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فاجتهدوا بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم (¬234).