قال شهاب الدين رحمه الله: ويرد عليه أسئلة:
أحدها أن القاعدة إنما هى في التعارض ولم يقع هاهنا تعارض، فلم يجتمع نهى الغصب ونهى التعدي فقدم أحدهما على الآخر، بل انفرد نهى المتعدي وحده في هذه الصورة.
قلت: القاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى من النهي العام مطلقا، وقد وجد في القاعدة المقررة وجد: إذا وجد نهيان فترجح أحدهما بأن كان خاصا بحالة معينة قبل به (¬113)، وليس الأمر أن ذلك لا يكون إلا في تلك القاعدة، ولهذا قررناها بأن الحذر من العدو الخاص يكون أشد من الحذر من العدو العام.
قال شهاب الدين: وثانيها أن النهي الخاص ها هنا نهى آدمى، والنهي PageV01P167
القاعدة الرابعة عشرة في تقرير الإذن العام من قبل صاحب الشرع
العام نهي الله تعالى: ولا يرجح نهى الآدمى لاجل خصوصه على نهى الله تعالى مع عمومه.
قال: فإن قلت: اذا نهى الآدمى فقد صحبه نهى الله تعالى، ففى الحقيقة إنما رجحنا بين نهيين لله تعالى: أحدهما عام والآخر خاص، قال: قلت: هذا كلام صحيح، ولكن النهي الذي صحب نهي العبد هو نهي عام، وهو نهي الغصب بعينه.
قلت: ليس كذلك، بل النهى الذي صحب نهى العبد هو نهي خاص لله تعالى كنهى العبد، غاية ما فيه أنه يستند إلى أدلة عامة دالة على ذلك.
قال شهاب الدين رحمه الله: وثالثها أنا إذا قسنا ترك الضمان في هذه الصورة على ترك الضمان في سورة الغصب كان القياس صحيحا، سالما عن المعارض، ولو قسنا هنالك الحرير على النجس والميتة على الصيد لأدى ذلك إلى مفسدة، من حيث بقاء المصلى عريانا، وهلاك المحرم بالجوع، فكيف سوي بين موضع لا معارض للقياس فيه، وموضع للقياس فيه معارض.
قلت: هذا كلام على قياس لم يبدله فارق، كيف، والحالة الخاصة ليست كالحالة العامة؟ فعدم حمل الحرير على النجس هو الأصل، وعدم حمل الميتة على الصيد هو الأصل، ولا نقول: خرج شئ من ذلك عن الأصل لما يلزم عليه من المفسدة، والله أعلم.
القاعدة الرابعة عشرة (¬114)
في تقرير الإذن العام من قبل صاحب الشرع، والإذن الخاص من المالك، وبيان ترتب الضمان عليهما او عدمه، فنقول:
الإذن العام من الشارع كإذن السثرع للمكلف أن ينقل من أسباب (¬115) PageV01P168 # بيته لجهة أخرى منه ما شاء، والإذن الخاص من المالك كإذنه للذى أودع عنده وديعته أن يحملها في يده لبيته. فإذا ظهر ما بينهما (¬116) بالمثال فنقول:
الإذن العام لا يسقط الضمان، والإذن الخاص يسقطه. وسر ذلك أن الحق تعالى تفضل على عباده فجعل ما بين أيديهم ملكا تاما لهم، فلا ينتقل عن ملكهم إلا يرضاهم وإذنهم، كما أن ما كان لله تعالى صرفا لا يتمكن العباد من إسقاطه، بل ذلك بإسقاط الله له، ويتضح الفرق بثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الوديعة إذا حملها من القيت عنده ليحفظها ببيته (¬117) فسقطت من يده فانكسرت لا ضمان عليه، لأن مالكها أذن له في ذلك الحمل الذى انكسرت به، فلو سقط عليها شئ من يده فانكسرت ضمن، لأن صاحب الوديعة لم ياذن له في ذلك.
فإن قيل: أذن الله تعالى أن يحمل ذلك الذي سقط على الوديعة، قلنا: إذن الله هو الإذن العام لا يسقط الضمان، وإنما يسقطه الإذن الخاص.
المسألة الثانية: إذا استعار شيئا فسقط من يده، أو حمل شيئا فوقع عليها (¬118)، الحكم كالحكم في المسألة المذكورة قبلها. PageV01P169