القاعدة الثالثة عشرة في تقرير أن النهى ينقسم إلى خاص وعام، وتبيين حالهما في التنافي أو غيره
دون الأصل في الجميع، فالحنفية طردت أصلها (¬107) دون المالكية والشافعية؟ .
قلت: المستند في ذلك أن ظك الحقائق متعلقات الرضى، والرضى لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين، فلو صححت العقد في البعض، لنقلت ملك البائع بغير رضاه، ورسول لله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه، وهذا لم تطب نفسه إلا بما يتعلق العقد به، والصور الأخر ليس فيها هذا، فوقع الفرق.
القاعدة الثالثة عشرة (¬108)
في تقرير أن النهى ينقسم إلى خاص وعام، وتبيين حالهما في التنافي أو غيره، فنقول:
لا شك أنه يوجد النيى عاما، كقوله: "لا تقتلوا النفس" وخاصا، "لا تقتلوا الصيد"، ثم إنهما بحسب التنافي أو غيره ينقسمان ثلاثة أقسام:
1) القسم الاول: أن يتضادا ويتنافيا، كقوله: لا تقتلوا طلبة بنقوله تميم، ولا تبقوا من رجالهم أحدا، فحكم هذا القسم أن يقدم الخاص على العام، ففيه جمع بين الدليلين.
2) القسم الثاني: أن لا يتضادا، ولا يكون لأحدهما مناسبة يختص بها دون الآخر، كقولك: لا تقتلوا النفس، لا تقتلوا الرجال، الصحيح أنه لا يخصصه، إذ هما من قاعدة ذكر بعض العام، وجزء الشىء لا يكون مخصصا، PageV01P165 # وقيل على الشذوذ: إنه يخصصه من طريق المفهوم، فإن ذكر الرجال يقتضي مفهومه قتل غيرهم.
القسم الثالث: أن لا يتنافيا، ويكون لأحدهما مناسبة تخصه في متعلقه، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الاولى: كقوله تعالى "حرمت عليكم الميتة" (¬109) وقوله تعالى: "لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم" (¬110) فيضطر المحرم إلى أكل الميتة أو الصيد، قال مالك: ياكل الميتة ويترك الصيد، لأنه كان حرم جميع ذلك، إلا أن تحريم الصيد له مناسبة بالاحرام، ومفسدته التى اعتمدها النهي إنما هى في الاحرام، وأما مفسدة أكل الميتة فذلك أمر عام لا تعلق له بخصوص الإحرام، والخاص من (¬111) المفاسد أشد اجتنابا، وهذا في العرف كعدوك الخاص بك، وعدوك من حيث الملة وحذرك من العدو الخاص ينبغي أن يكون أشد من الذى عاداك لا بخصوصيتك، فإن شغل عدوك الخاص بك يكون أشد من شغل عدوك الآخر بك.
المسألة الثانية
إذا لم يجد المصلى ما يستره إلا حريرا أو نجسا، قال أصحابنا: يصلي في الحرير ويترك النجس، لأن مفسدة النجاسة خاصة بالصلاة.
فإن قيل: إذا كانت الفسدة العامة، حميع الحالات تعمها، والخاصة ليست كذلك، فالعامة أولى، والقاعدة أن المفاسد إذا تعارضت يصار لأدناها كما تقطع اليد المتآكلة لبقاء النفس، قلنا: هذا مسلم، أن الامر هكذا يكون إذا لم يكن للمفسدة تعلق بخصوص الحال، وأما إذا كان لها تعلق به فالأمر كما قلنا.
المسألة الثالثة
وقع في المذهب مسألة مشكلة، وهى: أن من استجار دابة إلى بلد معين، PageV01P166 # كمجاوز بها تلك البلدة متعديا، فإن لربها تضمينه الدابة وإن ردها سالمة، والغاصب إذا تعدى بالغصب في الدابة وردها سالمة لا يكون لربها تضمينه إجماعا، وغاية هذا المتعدى أن يكون كالغاصب، والغاصب لا يضمن، فكيف كان هذا؟ فرده بعض الفقهاء إلى هذه القاعدة بأن قال: إن النهي عند الغصب نهي عام لا يختص بحالة دون أخرى ولا عين دون عين، وفي قضية الدابة وجد نهى خاص في عين خاصة (¬112) فإنه لما آجره إلى الغاية المتعينة فقد نهاه أن يجاوزها، والقاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام ولا يتعلق بخصوص تلك الحالة، فهذا فرق ما بين الغاصب والمتعدي، فلا يلزم من عدم تضمين الغاصب مع الرد أن لا يضمن المتعدى مع الرد، لقوة النهي في حقه.