القاعدة الثانية عشرة
(¬132)
في الفرق بين توالى اجزاء المشروطات مع الشرط، وبين توالي المسببات مع الاسباب. PageV01P110
المقصود منها تقرير الفرق بين توالي أجزاء المشروطات مع الشرط وبين توالي المسببات مع الأسباب.
فالمسببات تتعدد لتعدد الأسباب، وتختلف بالتقديم والتأخير، والمشروطات مع الشرط لا ترتيب فيها، وإنما نظير المشروطات بشرط واحد، المسببات لسبب واحد.
ومثال ذلك أن تقول: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وأنت علي كظهر أمي لزمه الطلاق، وإذا ردها لزمته كفارة الظهار، إذ لا ترتيب بين أجزاء المشروط إذا تعلق جميع ذلك على شرط واحد.
وإذا قال: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي، لزمه الطلاق ولم يلزمه الظهار، لأنه لما قال: أنت طالق ثلاثا، كان ذلك سببا للتحريم، فاستقل ذلك بالتحريم، ولما قال: وأنت علي كظهر أمي جاء سببا للظهار بعده، لم يلزمه فيه كفارة، لأنه صادق حينئذ لا كاذب، من حيث إنها محرمة.
قلت: وببيان هذه القاعدة يتبين الفرق بين ما إذا قال لامراته: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي، أنه لا ظهار عليه، وبين ما إذا قال: أنت علي كظهر أمي، وأنت طالق ثلاثا، أنه يلزمه الظهار، فإن المسبب يترتب عن سببه، فهو لما قال أولا، أنت طالق ثلاثا لم يصادف الظهار محلا، فإذا قال في المسألة الأخرى: أنت علي كظهر أمي صادف الظهار محلا، فلزم، وجاء الطلاق بعده أيضا فلزم، والله أعلم.
القاعدة الثالثة عشرة
(¬133)
نقرر فيها الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظية، وبين الترتيب بالحقيقة الزمانية فنقول أولا. PageV01P111
الترتيب في الزمان مدرك بالعقل لا بالوضع، والترتيب بالأدوات أمر وضعي.
وبيان ذلك أن أجزاء الزمان سيالة، مترتبة بذاتها عقلا، مستحيلة الاجتماع. واذا كانت كذلك فالأقوال الموجودة فيها كذلك، والافعال الموجودة فيها كذلك مترتية ضرورة بترتيب زمانها الذي وقعت فيه، وذلك الترتيب المذكور ليس بالوضع، وإنما هو أمر عقلي.
وأما الترتيب بالأدوات اللفظية فهو بإلفاء وثم، وحتضى، والسين، وسوف، ولا، ولن، ولم، وما، وليس، ونحوها، وذلك نحو قام زيد فعمرو، وقام زيد ثم عمرو، وقام القوم حتى عمرو.
قال شهاب الدين رحمه الله: وذلك في حتى من حيث إنها غاية، فإذا قلت: سرت حتى مطلع الفجر اقتضى أن آخر سيرك طلوع الفجر، وأن هذا الأخير من السير كان مسبوقا بسير قبله، ولما كان هذا هكذا فكذلك إذا قلت: قام القوم حتى عمرو.
قلت: وهذا الذي قاله شهاب الدين -رحمه الله-، خلاف ما عند النحوبين. فهي - عند النحوبين - معناها كمعنى الواو، إلا أنها تزيد علها أن ما بعدها لا يكون الا جزءا مما قبلها، وهو ظاهر في قولك: قام الناس حتى الأمير، أنها غير دالة على تاخير قيام الأمير. وما في مثال السير لم يكن ذلك التاخير من حيث حتى، ولكن من حيث إن أجزاء الزمان مترتبة، بخلاف القوم لا ترتيب فيهم من حيث العقل ولا من حيث الوضع، وحتى جعلت عمرا من حيث قيامه غاية، بمعنى اشتد القيام في حقهم وتأكد حتى إن من تأكيده علهم أن الكبير فيهم - وهو الأمير - قام، والله أعلم.
قال شهاب الدين -رحمه الله-:
واذا قلت: سيقوم زيد، وسوف يقوم عمرو، فالترتيب هنا من حيث إن التنفيس بسوف أقوى منه بالسين. PageV01P112