القاعدة الخامسة عشرة:
في تمييز الخوف من غير الله الذي لا يحرم من الذي يحرم منه
(¬196).
إعلم أنه جاءت المدحة (¬197) بأن يكون العبد لا يخشى إلا الله، وجاء PageV02P456 # النهي عن خشية الناس، فقال تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني}، (¬198) وقال تعالى: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}، يقال: المراد بهذا الخوف المنهي عنه أن يؤثر على خوف الله [تعالى] حتى يترك به واجب أو يفعل به حرام. PageV02P457
قلت: لا يصح حمل الآية الكريمة التي هي {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} على ذلك، لمنصب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما إذا لم يكن سببا لشيء من هذا، فلا مذمة فيمن خاف غير الله كخوف الأسود والحيات والعقارب والظلمة.
القاعدة السادسة عشرة:
في تقرير ما يلزم الكفار إذا أسلم وما لا يلزمه
(¬199)
إعلم أن أحوال الكفار مختلفة إذا أسلم، فيلزمه ثمن المبيعات، وأجر الاجارات، ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك، ولا يلزمه من حقوق الآدميين القصاص، ولا الغصب والنهب إن كان حربيا، وأما الذمي فيلزمه جميع المظالم وردها، لأنه عقد الذمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة، وأما الحربي فلم يرض بشيء، فلذلك أسقطنا عنه الغصوب والنهوب والغارات ونحوها. وأما حق الله تعالى فلا يلزمه وإن كان ذميا، لقوله عليه السلام: "الإسلام يجب ما قبله". (¬200)
وضابط الفرق أن حقوق العباد قسمان: منها ما رضي به حالة الكفر واطمأنت نفسه بدفعه لستحقه، فهذا لا يسقط بالإسلام، لأن إلزامه إياه ليس منفرا له عن الإسلام لرضاه به، وما لم يرض بدفعه لمستحقه كالقتل والغصب ونحوه فإن هذه الأمور إنما دخل عليها متعمدا أنه لا يوفيها أهلها، فهذا كله يسقط، لأن PageV02P458 # في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن الإسلام، فقدمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق. وأما حقوق الله تعالى فتسقط مطلقا، رضي بها أم لا.
والفرق بين الحقين من وجهين:
أحدهما أن الإسلام حق لله تعالى، والعبادات ونحوها حق الله تعالى، فلما كان الحقان لجهة واحدة ناسب أن يقدم أحدهما على الآخر، أما حق الآدميين فجهة للآدميين، والإسلام ليس حقا لهم، فناسب أن لا يسقط حقهم تحصيل حق غيرهم.
وثانيهما أن حق الله سقط لكرمه، ولا يسقط للعبد إلا ما تقدم الرضى به.