القاعدة السابعة:
في الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة.
(¬27)
فاعلم أن تمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، ويمكن غيره من الانتفاع بعوض كالاجارة، وبغير عوض كالعارية.
مثال الأول سكنى المدارس والربط (¬28) والحبس والجوامع والأسواق ومواضع
النسك كالمطاف والمسعى ونحو ذلك، فهذه المواضع ينتفع بها المملك بنفسه
فقط، وليس له أن يواجر غيره أو يعاوضه بطريق من طرق المعاوضة. PageV02P184
ومثال الثاني كمن استاجر دارا أو استعارها فله أن يسكنها غيره بأي وجه أراد، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم، وهو تمليك مطلق، لكنه في زمن خاص، وتمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب.
وها هنا أربع مسائل:
المسألة الأولى: النكاح من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، إذ ليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة، ولا هو مالك للمنفعة ولا البضع، ولكنه ملك أن ينتفع خاصة.
المسألة الثانية: الوكالة بغير عوض، من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، وأما الوكالة بعوض فيملك بها المنفعة، إذ هي إجارة، فله بيع ما ملك، ويمكن منه غيره ما لم يكن الموكل عليه لا يقبل البدل.
المسألة الثالثة: القراض يقتضي عقده أن رب المال ملك من العامل الانتفاع لا المنفعة، بدليل أنه ليس له إلا أن يقتصر على الانتفاع بنفسه على الوجه الذي اقتضاه عند القراض، وكذلك المساقاة والمغارسة، وأما ملك العامل في القراض والمساقاة فهذا ملك عين لا ملك منفعة ولا انتفاع، وتلك العين هي ما خرج من ثمره أو ما يحصل من ربح في القراض.
المسألة الرابعة: إذا وقف وقفا على أن يسكن أو على السكنى ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ أن الواقف إنما ملك الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون المنفعة، فليس له أن يسكنه غيره بوجه من الوجوه، وهذا من حيث إنه إذا صدرت صيغة وشككنا في مقتضاها هل هي تمليك الانتفاع أو المنفعة حملناها على أقل الرتب (¬29) وذلك الانتفاع، وكان هذا من حيث إن الاصل بقاء الاملاك PageV02P185 # على أربابها ولا تنتقل عنهم إلا ببيان، لكنه إذا كانت هناك عادة فيما فيه تمليك الانتفاع من حيث اللفظ، عملنا أيضا بحسب العادة، وهذا كالمدارس يجوز أن يسكن المملك إياه غيره المدة اليسيرة، ولا يجوز المدة الكثيرة، فالعادة جرت أن الضيف يرد على الساكن بالمدرسة وينزله في بيت له فيها، وصاحب الوقف يعرف هذا، واستمرت به العادة، فكان ذلك دليلا على سمح الواقف في مثل هذا لا في أزيد منه، ومثل هذا أن يختزن في البيت الشىء اليسير لا الكثير.
ومثل هذا، الضيف، ليس له أن يعطى غيره من ذلك الطعام إلا ما جرت به العادة مثل السنور. ومثل هذا حصر الوقف ليس له أن يعطيها ولكن يفرشها، وكذلك زيت الوقيد ليس له أن ياكله، وهذا وإن كان قد ملك عينه لا منفعته فهو من الشيء الذي قصر على شيء خاص، فلا يخرج عن ذلك إلا بعادة كانت معروفة إن كانت، والله أعلم.
قلت: ولنذكر مسائل تليق بكتاب الاجارة وهي ثلاث (¬30):
المسألة الأولى. قال مالك: يجوز إجارة المدبر ولا يجوز إجارة أم الولد، والكل ممنوع من بيعه، فلم كان ذلك؟ .
فالجواب أن عتق أم الولد أقوى ما بيناه، ويكفى في ذلك أن البطلان يتوجه إلى عتق المدبر (¬31) دون أم الولد، وأيضا فعتق أم الولد يتنجز على الحال، وإنما بقي PageV02P186 # له فيها المنفعة، والمدبر (¬32) خلاف ذلك، فحكمه حكم الوصية في كثير من أحكامه.