القاعدة الثامنة: أقرر فيها وجه اختصاص المساجد الثلاثة بلزوم نذر المشي إليها دون غيرها
القاعدة الثامنة: (¬97)
أقرر فيها وجه اختصاص المساجد الثلاثة بلزوم نذر المشي إليها دون غيرها فأقول:
قال عليه الصلاة والسلام: "لا تستعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيليا" (¬98)، فقال قوم من العلماء: لا PageV01P485 # سبيل إلى المشي لغيرها، عملا بالحديث، وقال آخرون: يمشي إلى مسجد الجمعة، وقال آخرون: يمشي إلى المسجد القريب. فقول مسجد الجمعة، لعل قائله يتمسك بمشيه عليه الصلاة والسلام إلى مسجد قباء في كل سبت، وهو على ثلاثة أميال من المدينة. والقول بالمسجد القريب استحسان من غير مدرك (¬99).
قال شهاب الدين رحمه الله:
وسر الفرق أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب، فما لا رجحان في فعله في نظر الشرع لا يؤثر النذر فيه. وسائر المساجد مستوية من جهة أنها بيوت للقربة، فلا يجب اختصاص واحد منها بالاتيان، إذ لا مرجح فيها كما كان المرجح في الثلاثة.
قلت: وهذا الكلام يقرر أن المدني إذا نذر المشي إلى المسجدين لا يلزمه ذلك على مذهب مالك الذي هي برجحان مسجد المدينة على سائر المساجد، ويلزم على مذهب الشافعي أن يوفي بنذر المشي إلى المسجد الحرام دون مسجد إيليا عند الجميع.
قال شهاب الدين: فإن قلت: إن المساجد أفضل من غيرها إجماعا، وبعضها أفضل من بعض، للقدم أو لكثرة الجماعة أو لغير ذلك من أسباب التفضيل، فإذا كان كذلك فذلك يوجب أن من نذر الصلاة في مسجد من تلك المساجد أن يلزمه لوجود الرجحان، فأجاب بأن قال:
القاعدة الشرعية أن الفعل قد يكون راجحا في نفسه ولا يكون ضمه لراجح آخر في نفسه راجحا في نظر الشرع، وقد يكون ضمه راجحا. فعلى هذا PageV01P486 # ليس الضم راجحا على الإطلاق من حيث إن المفردين راجحان، بل الضم إنما يكون راجحا إذا رجحه الشرع وثبت له مدرك شرعي، وإلا فلا (¬100).
وبيان أنه قد وجد الرجحان أن نقول: الصلاة - ولا بد - راجحة، والزكاة كذلك راجحة، ولم يكن ضم الواحدة إلى الأخرى راجحا، وكذلك القراءة راجحة، والسجود راجح، ولم يكن ضمها راجحا، بل وقع النهي عن الضم. وجاء الضم أيضا كما هو في مسألة المساجد الثلاثة، هي راجحة، والصلاة راجحة، فكان الضم راجحا لا من حيث ضم راجح إلى راجح، بك من حيث حكم الشارع بذلك (¬101). PageV01P487
وكما جاء هذا عنه جاء بأن لا سبيل إلى الضم فيما عداها فقال:
لا يستعمل إلا في كذا، وذلك حصر لهذا الضم في الثلاثة، وترك له في غيرها، فكيف يلاحظ هذا النظر مع نهيه - عليه السلام - عنه، والله أعلم.
قال رحمه الله: فإن قلت: القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعل الأعلى عن فعل الأدنى، فمن نذر أن يتصدق برغيف لا يجزئه أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعا عند الخلق وعند الله تعالى (¬102). وإذا صحت هذه القاعدة فكيف صح في هذا الباب أن من نذر أن يصلي ببيت المقدس ممن هو بمكة أو بالمدينة، فإنه لا يلزمه ذلك ويصلي حيث هو؟
فأجاب بأن قال: ما هو من باب إجزاء الأعلى عن الأدنى، الممنوع بحسب القاعدة الشرعية كما ذكرتم، وإنما هو من باب من نذر أن يتصدق بثوب فتصدق بثوبين فإنه يجزئه إجماعا. PageV01P488
وهذا لأن خصوصية النذر حاصلة على هذا الوجه، وليست حاصلة فيما إذا نذر صيام يوم فصلاه، والصلاة أفضل لا محالة، وهي أعلى، ولكنها لا تجزئ كما قلتم (¬103).