القاعدة الأولى: لم صح أخذ الجزية من الكفار على أن يتمادوا على كفرهم، ولم يصح أخذ شيء من الفاسقين على أن يقروا على الزنى ويتمادوا عليه، ومفسدة الكفر أشد من مفسدة الزنى؟
الجهاد
وفيه أربع قواعد:
القاعدة الأولى (¬1):
لم صح أخذ الجزية من الكفار على أن يتمادوا على كفرهم، ولم يصح أخذ شيء من الفاسقين على أن يقروا على الزنى ويتمادوا عليه، ومفسدة الكفر أشد من مفسدة الزنى؟
وقد طعن بعض الطاعنين على أخذ الجزية، فقال: شأن التشريع درء المفسدة العظمى بإيقاع الفسدة الدنيا وتفويت المصلحة، ومفسدة الكفر تربي (¬2) على مصلحة أخذ المال الماخوذ في الجزية من الكفار، بل على جملة الدنيا وما فيها.
والجواب عن هذا السؤال، وهو إبداء الفرق بين القاعدتين، أن إقرار الكافر على الكفر ما كان القصد الأكبر بذلك بعد أخذ المال، بل ليقع إسلام ذلك PageV01P427
القاعدة الثانية الفرق بين ما يوجب نقض العهد وما لا يوجبه
الكافر في غير ذلك الوقت، فهو أولى من قتله، فإن قتله يوقعه في الهلكة الدائمة قطعا، وبقاؤه يبقي الطمع فيه، عساه أن يرجع فيسعد، وإن هو مات على الكفر فقد يخرج من ظهره، ولو على بعد، من يومن بالله، والسبب لإيجاد من يومن بالله ولو بأي وجه كان، من أعظم المصالح، وأخذ المال منه ما كان إلا لينبعث بذلك الذل إلى الإيمان ويفارق الكفر. (¬3)
القاعدة الثانية (¬4)
الفرق بين ما يوجب نقض العهد وما لا يوجبه.
إعلم أن عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانة الأموال والأعراض، وذلك العقد يحصل لهم بشروط يشترطها عليهم، مضت سنة الخلفاء الراشدين بها، وهي مستفادة من قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}. وقد ذكر ابن حزم في مراتب الاحماع أشياء، (¬5) وهي: أن يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري، صرف كل دينار اثنا عشر درهما، وأن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعا ولا ديرا ولا صومعة، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يمنعوا السلمين من النزول في كنائسهم وبيعهم ليلا أو نهارا، ويوسعوا أبوابها للنازلين ويضيفوا من مر PageV01P428 # بهم من المسلمين، ويقدموا لهم في المجالس، ولا يتشبهوا بهم في شيء من ملابسهم، ولا فرق شعورهم، ولا يتكلموا بكلامهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئا من السلاح، ، ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يطرحوا في طرق المسلمين نجاسة، ويخفون النواقيس وأصواتها، ولا يظهرون شيئا من شعارهم، ولا يتخذون من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ويرشدون المسلمين، ولا يطلعون عليهم عدوا، ولا يضربون مسلما، ولا يسبون أحدا من الانبياء عليهم السلام، ولا يظهرون خمرا (¬6)، ولا نكاح ذات محرم، قال: فمتى أخلوا بواحد من هذه الشروط اختلف في نقض عهدهم، وقتلهم وسبيهم، وأخذ أموالهم ..
قال شهاب الدين رحمه الله: بعض ضعفة الفقهاء قال: هي شروط، وفقد شرط واحد كفقد جميعه، فمض ى أخل بضرط من هذه فقد نقض العهد. (¬7)
والذي عليه الجمهور: مالك، أبو حنيفة والشافعي، واحمد بن حنبل، أن الشروط ليست على السواء، كما الأمر في تكاليف السلم، فبعضها إن أخل به يوجب له الكفر، وبعضها يقال إنها كبائر ولا نقضى بكفره، وبعضها يقال: هي صغائر، فكذلك الذمي، عقد الجزية عليه تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتال والخروج عن أحكام السلطان، والى ما لا ينافيه، وبعضه هو كالكبيرة بالنسبة إلى الإسلام، كسب المسلم أو إظهار الترفع عليه، وبعض آخر دون ذلك. PageV01P429