بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الفقيه الأستاذ الخطيب المقرئ الراوية الشهير: أبو جعفر بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي، رضى الله عنه.
الحمد لله المانح من شاء ما شاء، الغافر دون الشرك بحكم المشيئة لمن أساء، والمصطفى من الجنس الإنساني الرسل والأنبياء، ومن أتباعهم من جعلهم رحماء بينهم وعلى الكفار أشداء، ومن خلفهم ممن آثر الاهتداء والاقتداء، وجانب التنكيل عن سبلهم الواضحة والاعتداء، ولزم الجماعة عند افتراق ذوي الشقاق فحسم الداء، وتمسك بالكتاب والسنة فمنح الشفاء، واستوضح الطريق بهما إلى الله تعالى وتحقق الإنباء، وتدبر كتاب الله فشاهد المعجزة القاطعة والبراهين الساطعة وعرف الأنباء، وعلم مراده صلى الله عليه وسلم بقوله: "وإنما كان الذي أوتيت وحيا " فأعمل جهده في تدبره بالفكر والاعتناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من وفق فالتزم بشروطها الوفاء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المعطى في القيامة المقام المحمود واللواء، شهادة نرجو بها من شفاعته العظمى الحظوة والاعتناء، وتجعل لنا من دار الخلد المصير والجزاء، صلى الله عليه وعلى آله الحائزين في وفائهم باتباعه السبق والثناء، والأسوة والقدوة لمن بعدهم جاء، وسلم كثيرا.
وبعد، فإن كتاب الله تعالى أحق ما أنفقت فيه نفائس الأعمار، وقصر على اعتباره وتدبره الملوان الليل والنهار، واعتمده موئلا وملاذا، واعتصم بعروته الوثقى وزرا منجيا وعياذا، واستنزلت به البركات، واهتدى بواضحات أنواره عوالم الأرض والسماوات.
فهو الهدى والنور، والشفاء لما فى الصدور، والواقى لمن تمسك به واعتلق بسببه من كل مخوف وحذور، والنعمة التي قصر عن الوفاء بشكرها كل مكتوب ومسطور، وأنى يتصور الكفاء ويتوهم الوفاء بشكر: "قد جاءكم من الله نور ".
وإن من مغفلات مصنفي أئمتنا رضى الله عنهم في خدمة علومه، وتدبر منظومه الجليل ومفهومه، توجيه ما تكرر من آياته لفظا أو اختلف بتقديم أو تأخير وبعض زيادة في
التعبير، فعسر إلا على الماهر حفظا، وظن الغافل عن التدبر والمخلد إلى الراحة عن التفكر، أن تخصيص كل آية من تلك الآيات بالوارد فيها مما خالفت فيه نظيرتها ليس لسبب تقتضيه وداع من المعنى يطلبه ويستدعيه، وأن ليس على جميع الوارد من ذلك محرزات من المعاني عند ذوي الأفهام ومقتضيات من لوازم جليل التركيب من ذلك المعجز العلي من النظام، فلا يليق بكل من تلك الواضع إلا الوارد فيه وإن تقرير وقوع آية منها في موضع نظيرتها ينافي مقصود ذلك الموضع وينافيه.
فتعسا لمن تنكب عن واضح آياته، وكأن لم يقرع سمعه قوله تعالى: "كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته ".
وإن مما حرك إلى هذا الغرض وألحقه عند من تحلى ولوعا باعتباره والتدبر لعجائبه الباهرة وأسراره، بمثل حالي على استحكام جذبي وإمحالي بالواجب المفترض، إنه باب لم يقرعه ممن تقدم وسلف ومن حذا حذوهم ممن أتى بعدهن وخلف، أحد فيما علمته على توالي الأعصار والمدد وترادف أيام الأبد، مع عظيم موقعه وجليل منزعه، ومكانته في الدين وفته أعضاد ذوي الشك والارتياب من الطاعنين والملحدين، إلى أن ورد علي كتاب لبعض المعتنين من جلة المشارقة [ابن الخطيب الإسكافي] نفعه الله سماه بكتاب درة التنزيل وغرة التأويل، قرع به مغلق هذا الباب وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب، وعرف أنه باب لم يوجفه عنه أحد قبله بخيل ولا ركاب، ولا نطق ناطق قبل فيه، بحرف مما فيه.