بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
أملى علينا الشيخ الفقيه، الإمام العالم العامل، الحافظ الضابط المتقن، بقية السلف، شرف الدين، عمدة المحدثين فسح الله في مدته أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة المحروسة، في الرابع والعشرين من ربيع الأول، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، قال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
وبعد ...
لقد أودعت في هذا الكتاب فضل من أصيب بولده وحامته، بفقد وذهاب، فوجد منه عند الصدمة الأولى صبر واحتساب، وما أعد الله له من الكرامة والثواب، من رواية جماعة من النجوم الأصحاب، وقدمت ما ورد من الصحيح في هذا الباب بعد ذكر آيات في الصبر المفضي إلى حسن مآب، وسميته ب «التسلي والاغتباط بثواب من تقدم من الأفراط» .
والله أسأل أن ينفع به، ويجعله خالصا لوجهه بمنه وكرمه.
بشارات الصابرين في القرآن
قال الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين {155} الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون {156} أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون {157} } [البقرة: 155-157] فقوله: ولنبلونكم خطاب للمسلمين، والواو فيها مفتوحة لالتقاء الساكنين عند غير سيبويه، وعنده مبنية، ومعنى: ولنبلونكم: ولنصيبكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة والتسليم لأمر الله وحكمه أم لا؟ بشيء بقليل من كل واحد من هذه البلايا، وطرف منه، وإنما قال في قوله: بشيء ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل، ففوقه ما يقل عنه، وليخفف عنهم، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم، وإنما وعدهم بذلك قبل كونه، ليوطنوا عليه نفوسهم.
ونقص عطف على «شيء» ، أو على الخوف، بمعنى: وشيء من نقص الأموال.
وحكى الزمخشري عن الشافعي رضي الله عنه أن الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكاة، والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد، كما ورد في حديث أبي موسى رضي الله عنه: «يقول الله لملائكته قبضتم ولد عبدي، قبضتم ثمرة فؤاده» .
وسيرد في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقيل: الخوف من الأعداء في الحروب، والجوع، والجدب، والشدة، والسنة.
أما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها: الغرث، وقد استعمل فيها المحدثون الجوع اتساعا، ونقص الأموال: بالجوائح، والمصائب، والأنفس: بالموت، والقتل.
والثمرات: بالعاهات، ونزع البركة.
وقيل: إنما المراد في هذه الآية: مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو، والجوع به، وبالأسفار إليه، ونقص الأموال: بالنفقات، والأنفس: بالقتل، والثمرات: بإصابة العدو لها، أو بالغفلة عنها، بسبب الجهاد.
ثم وصف الصابرين الذين بشرهم بقوله: {الذين إذا أصابتهم
مصيبة} [البقرة: 156] الآية.
وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، لما جمعت من المعاني المباركة، وهي: توحيد الله، والإقرار له بالعبودية، والبعث من القبور، واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وهذا الابتلاء للزيادة في ثوابهم.
قال سعيد بن جبير: لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: {يا أسفى على يوسف} [يوسف: 84] .