[إحكام الأحكام]
تخصيصه بالذكر، فتارة يكون سببه الرد على مخالف في المسألة لم تشهر مقالته، مثل ما ترجم على أنه يقال " ما صلينا " فإنه نقل عن بعضهم " أنه كره ذلك " ورد عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - " إن صليتها، أو ما صليتها " وتارة يكون سببه الرد على فعل شائع بين الناس لا أصل له، فيذكر الحديث للرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين الناس في هذا المكان: التحرز عن قولهم " ما صلينا " إن لم يصح أن أحدا كرهه، وتارة يكون لمعنى يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس في بادئ الرأي، مثل ما ترجم على هذا الحديث " استياك الإمام بحضرة رعيته " فإن الاستياك من أفعال البذلة والمهنة، ويلازمه أيضا من إخراج البصاق وغيره ما لعل بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه، وتركه بحضرة الرعية، وقد اعتبر الفقهاء في مواضع كثيرة هذا المعنى، وهو الذي يسمونه بحفظ المروءة، فأورد هذا الحديث لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه، ويتركه الإمام بحضرة الرعايا، إدخالا له في باب العبادات والقربات، والله أعلم.
[باب المسح على الخفين]
[حديث كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه]
مختصر كلا الحديثين يدل على جواز المسح على الخفين، وقد تكثرت فيه
<span class="matn">. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
</span><span class="matn-hr"> </span>
[إحكام الأحكام]
الروايات، ومن أشهرها: رواية المغيرة، ومن أصحها: رواية جرير بن عبد الله البجلي - بفتح الباء والجيم معا - وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة، ومعنى هذا الكلام: أن آية المائدة إن كانت متقدمة على المسح على الخفين، كان جواز المسح ثابتا من غير نسخ، وإن كان مسح الخفين متقدما كانت آية المائدة تقتضي خلاف ذلك، فينسخ بها المسح، فلما تردد الحال توقفت الدلالة عند قوم، وشكوا في جواز المسح، وقد نقل عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أنه قال " قد علمنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين، ولكن أقبل المائدة أم بعدها؟ " إشارة منه بهذا الاستفهام إلى ما ذكرناه، فلما جاء حديث جرير مبينا للمسح بعد نزول المائدة: زال الإشكال، وفي بعض الروايات: التصريح بأنه «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين بعد نزول المائدة» وهو أصرح من رواية من روى عن جرير " وهل أسلمت إلا بعد نزول المائدة؟ "، وقد اشتهر جواز المسح على الخفين عند علماء الشريعة، حتى عد شعارا لأهل السنة، وعد إنكاره شعارا لأهل البدع، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث المغيرة «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين» دليل على اشتراط الطهارة في اللبس لجواز المسح، حيث علل عدم نزعهما بإدخالهما طاهرتين فيقتضي أن إدخالهما غير طاهرتين مقتض للنزع، وقد استدل به بعضهم على أن إكمال الطهارة فيهما شرط، حتى لو غسل إحداهما وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف: لم يجز المسح، وفي هذا الاستدلال عندنا ضعف - أعني في دلالته على حكم هذه المسألة - فلا يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة. بل ربما يدعى أنه ظاهر في ذلك، فإن الضمير في قوله " أدخلتهما " يقتضي تعليق الحكم بكل واحدة منهما نعم، من روى " فإني أدخلتهما وهما طاهرتان " فقد يتمسك برواية هذا القائل، من حيث إن قوله " أدخلتهما " إذا اقتضى كل واحدة منهما، فقوله " وهما