[إحكام الأحكام]
[باب الشروط في البيع]
[حديث فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله]
قد أكثر الناس من الكلام على هذا الحديث، وأفردوا التصنيف في الكلام عليه، وما يتعلق بفوائده: وبلغوا بها عددا كثيرا. ونذكر من ذلك عيونا إن شاء الله تعالى.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها " كاتبت " فاعلت من الكتابة. وهو العقد المشهور بين السيد وعبده. فإما أن يكون مأخوذا من كتابة الخط، لما أنه يصحب هذا العقد الكتابة له، فيما بين السيد وعبده، وإما أن يكون مأخوذا من معنى الإلزام. كما في قوله تعالى {كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء. والعبد ألزم نفسه الأداء للمال الذي تكاتبا عليه.
الثاني: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع والجواز والفرق بين أن يشتري للعتق، فيجوز، أو للاستخدام فلا. فأما من أجاز بيعه: فاستدل بهذا الحديث. فإنه ثبت أن بريرة كانت مكاتبة. وأما من منع: فيحتاج إلى العذر عنه، فمن العذر عنه ما قيل. إنه يجوز بيعه عند العجز عن الأداء، أو الضعف عن الكسب فقد يحمل الحديث على ذلك. ومن الاعتذارات: أن تكون عائشة اشترت الكتابة، لا الرقبة. وقد استدل على ذلك بقولها في بعض الروايات «فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابك» فإنه يشعر
<span class="matn">. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
</span><span class="matn-hr"> </span>
[إحكام الأحكام]
بأن المشترى: هو الكتابة لا الرقبة. ومن فرق بين شرائه للعتق وغيره: فلا إشكال عنده؛ لأنه يقول: أنا أجيز بيعه للعتق. والحديث موافق لما أقول
[بيع العبد بشرط العتق]
1
الثالث: بيع العبد بشرط العتق اختلفوا فيه. وللشافعي قولان:
أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه. وهو باطل.
والثاني: وهو الصحيح - أن العقد صحيح. لهذا الحديث. ومن منع من بيع العبد بشرط العتق، فقد قيل: إنه يمنع كون عائشة مشترية للرقبة. ويحمل على قضاء الكتابة عن بريرة، أو على شراء الكتابة خاصة.
والأول: ضعيف، مخالف للفظ الوارد في بعض الروايات. وهو قوله - عليه السلام - " ابتاعي " وأما الثاني: فإنه محتاج فيه إلى أن يكون قد قيل بمنع البيع بشرط العتق، مع جواز بيع الكتابة. ويكون قد ذهب إلى الجمع بين هذين ذاهب واحد معين. وهذا يستمد من مسألة إحداث القول الثالث.
الرابع: إذا قلنا بصحة البيع بشرط العتق، فهل يصح الشرط، أو يفسد؟ فيه قولان للشافعي: أصحهما: أن الشرط يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر إلا اشتراط الولاء. والعقد تضمن أمرين: اشتراط العتق، واشتراط الولاء. ولم يقع الإنكار إلا للثاني. فيبقى الأول مقررا عليه. ويؤخذ من لفظ الحديث. فإن قوله " اشترطي لهم الولاء " من ضرورة اشتراط العتق. فيكون من لوازم اللفظ، لا من مجرد التقرير. ومعنى صحة الشرط: أنه يلزم الوفاء به من جهة المشتري. فإن امتنع، فهل يجبر عليه أم لا؟ فيه اختلاف بين أصحاب الشافعي. وإذا قلنا: لا يجبر، أثبتنا الخيار للبائع.