فعلى هذا إن رضي الجماعة بقطع يده لهم قطعت ولا شيء لهم، وإن تشاحوا قدم الأول لسبقه، وإن رضي الأول بالدية قطع للثاني. PageV04P062
باب العفو عن القصاص
العفو عن القصاص جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس: أما الكتاب فقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178]، وقوله تعالى بعد قوله: {-وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين- فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45].
وأما السنة؛ فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو» (¬1). رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جوازه.
وأما القياس؛ فلأن القصاص حق له. فجاز له تركه؛ كسائر الحقوق.
قال: (والواجب بقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية في ظاهر المذهب. والخيرة فيه إلى الولي فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفى إلى غير شيء. والعفو أفضل. فإن اختار القصاص فله العفو على الدية، وإن اختار الدية سقط القصاص ولم يملك طلبه. وعنه: أن الواجب القصاص عينا وله العفو إلى الدية وإن سخط الجاني).
أما كون الواجب بقتل العمد أحد شيئين القصاص، أو الدية في ظاهر المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178]. أوجب الاتباع بمجرد العفو، ولو وجب بالعمد القصاص عينا لم تجب الدية عند العفو المطلق. PageV04P063
وأما كون الواجب القصاص عينا في رواية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عمدا فهو قود» (¬1).
ولأنه بدل متلف. فكان معينا؛ كسائر المتلفات.
وأما كون الأول في ظاهر المذهب؛ فلما تقدم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية فأنزل الله هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في القتلى ... الآية} [البقرة: 178]» (¬2).
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما يقاد» (¬3) متفق عليه.
وروي عنه أنه قال: «ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل وإنا والله عاقلته. فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية» (¬4). رواه أبو داود.
ولأن الدية أحد بدلي النفس. فإذا وجبت كانت بدلا عنها لا عن بدلها؛ كالقصاص.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «فهو قود» (¬5) فالمراد به وجوب القود، وذلك مما لا نزاع فيه.
وأما قياس القتل على سائر المتلفات فلا يصح لأن الفرق بينه وبينها ظاهر، وذلك [أن القتل يخالف سائر المتلفات] (¬6) لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه، والقتل بخلافه. PageV04P064
وأما كون الخيرة في الواجب بقتل العمد إلى الولي إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية على الرواية الأولى (¬1)؛ فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما يودى، أو يقاد» (¬2)، وقوله: «فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» (¬3).
وأما كونه إن شاء عفى إلى غير شيء؛ فلما تقدم أول الباب.
وأما كون العفو أفضل؛ فلما تقدم من قوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45].