[مقدمة المصنف]
وعليه نتوكل وبه نستعين.
الحمد لله العظيم سلطانه، العميم إحسانه، الظاهر امتنانه، الباهر برهانه. أحمده حمد من تساوى في الإخلاص إسراره وإعلانه، وأصلي على نبيه المصطفى الذي تمهدت بشرعه قواعد الدين وأركانه، وعلى آله وأصحابه الذين هم أنصار الهدى وأعوانه.
أما بعد.
فإن أجل العلوم خطرا، وأحلاها أثرا، وأرجحها فضيلة، وأنجحها وسيلة، وأسعدها جدا، وأجدها سعدا، وأشرفها موضعا، وألطفها موقعا: علم الشرع الشريف ومعرفة أحكامه، والاطلاع على سر حلاله وحرامه. فمن طلب أن يبرز في إظهاره، ويشتغل فهمه في إيراده وإصداره، ليكون على ذلك واقفا، وبتفسير غوامضه وحل مشكلاته عارفا، وبما أوتيه منه عاملا: تعينت مساعدته على مطالبه ومغازيه ومعاضدته على تذكار لفظه ومعانيه.
ولما رأيت همم المشتغلين بمذهب الإمام المبجل، أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه متوفرة على حفظ الكتاب المسمى ب «المقنع» تأليف الشيخ الإمام، العالم العلامة، شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبدالله المقدسي: أحببت أن أشرحه، وأبين مراده وأوضحه، وأذكر دليل كل حكم وأصححه.
فنسأل الله أن يسلمنا من الزلل، وأن يجعل علمنا مقرونا بالعمل. PageV01P088
قال الشيخ الإمام العالم المصنف رحمه الله:
(الحمد لله المحمود على كل حال، الدائم الباقي بلا زوال، الموجد خلقه على غير مثال، العالم بعدد القطر وأمواج البحر وذرات الرمال، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا تحت أطباق الجبال، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله خير آل، صلاة دائمة بالغدو والآصال).
أما الحمد فهو ضد الذم. وهو أعم من الشكر؛ لأنه يكون لمبتدئ النعمة ولغيره، والشكر لمبتدئ النعمة فقط.
وقيل: هما سواء.
وأما المحمود على كل حال فمعناه أنه سبحانه محمود في حالتي الشدة والرخاء.
وأما الدائم الباقي بلا زوال فصفات لله سبحانه وتعالى. ومعانيهما ظاهرة.
وأما الموجد خلقه على غير مثال فبيان لكمال قدرته؛ لأن صانعا ما إذا أوجد شيئا ما لابد له من مثال. ما خلا الله تعالى. فإنه لكمال قدرته يوجد الأشياء على غير مثال.
وأما العالم بعدد القطر وأمواج البحر وذرات الرمال فبيان لإحاطة علمه بكل شيء. قال الله تعالى: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [سبأ: 3].
وأما عالم الغيب والشهادة فمعناه أنه سبحانه يعلم ما غاب عن العيون مما لم يعاين ولم يشاهد.
وقيل: هما السر والعلانية.
وأما الكبير فهو: العظمة.
وأما المتعال فهو: المنزه عن صفات المخلوقين.
وأما الصلاة على سيدنا محمد فطلب للرحمة من الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P089
وأما المصطفى فهو: الخالص من الخلق.
وأما الآل فهم: كل تقي من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل: هم أهله فقط.
وأما الصلاة الدائمة فهي: المتصلة التي لا تنقطع.
وأما الغدو والآصال فهما: البكرة والعشي.
قال المصنف رحمه الله: (أما بعد. فهذا كتاب في الفقه على مذهب الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه، اجتهدت في جمعه وترتيبه، وإيجازه وتقريبه، وسطا بين القصير والطويل، وجامعا لأكثر الأحكام عرية عن الدليل والتعليل، ليكثر علمه، ويقل حجمه، ويسهل حفظه وفهمه، ويكون مقنعا لحافظيه، نافعا للناظر فيه. والله سبحانه المسئول أن يبلغنا أملنا، ويصلح قولنا وعملنا، ويجعل سعينا مقربا إليه ونافعا لديه برحمته).