أجيب بأن من جوز التكليف بما لا يطاق أجاز مثله في القرآن، ومن منع منع منه لاشتماله على إخراج القرآن عن كونه بيانا وجعل الواو عاطفة وخصص الضمير بالراسخين للدليل العقلي، وآيات الصفات كنايات وتجوزات فهم العرب المراد منها بأدلة صارفة إليها، وفخر الإسلام على وجوب اعتقاد الحقيقة في ذلك وأن أهل العلم مكلفون بالوقف عن طلب معناه للابتلاء، والواو عنده للابتداء.
و
أما السنة
:
فالطريقة والعادة، وفي الشرع: العبادات النافلة وأقواله عليه السلام وأفعاله وتقريره والبحث في الأقوال يأتي فيما تشترك فيه الأدلة. PageV01P242
مسألة:
القاضي وأكثر المحققين: أنه لا يمتنع على نبي قبل البعثة معصية ما ولا كفر، ومنعت الشيعة منه مطلقا، واستثنت المعتزلة الصغيرة لاستلزام احتقاره في النفوس الموجب للنفرة عن الاتباع وأنه مناف للحكمة. قلنا: لا سمع قبل البعثة ولا دلالة العقل مبنية على التحسين والتقبيح العقلي ورعاية الأصلح وقد مر ما فيه. وأما بعد البعثة فالاتفاق أنه معصوم عن تعمد ما يخل بصدقه (فيما دلت المعجزة على صدقه فيه) من دعوى الرسالة والتبليغ. واختلف في الجواز غلطا ونسيانا فمنع الأكثرون PageV01P243 # لما يستلزم من مناقضة دليل المعجزة، وجوزه القاضي ميلا إلى خروجهما عن التصديق المقصود بالمعجز. وأما المعاصي: القولية والفعلية فالاتفاق أنه معصوم عن تعمد الكبيرة سوى الحشوية والخوارج، ومنعت الشيعة وقوعه نسيانا أيضا. وما أوجب خسة وسقوط مروءة فكذلك ومستند العصمة السمع عندنا PageV01P244 # والعقل عند المعتزلة، ومثل نظرة أو كلمة سفه نادرة في غضب، فالأكثرون على جوازه مطلقا، ومنعت منه الشيعة وجمع من المعتزلة، وعندنا: هو معصوم عن المعصية دون الزلة، والفرق أن المعصية مقصودة، والزلة فعل غير مقصود يسوقه إليه مباح ولا يخلو عن بيان منه أو من الله تعالى.
مسألة:
ما كان من أفعاله عليه السلام جبليا كقيام وقعود، فالاتفاق أنه مباح لنا وله، وما اختص به فالاتفاق على الاختصاص، وما كان بيانا بقول مثل "صلوا كما رأيتموني أصلي" أو بفعل عند الحاجة لإطلاق أو عموم كالقطع من الكوع والتيمم إلى المرفقين فالاتفاق أنه بيان لآيتي القطع والتيمم PageV01P245 # ولما لم يكن كذلك فما علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فالجمهور الاقتداء به فيه على تلك الصفة لاتفاق الصحابة على التأسي في فعله على الصفة التي أتى بها والآيات الدالة على التأسي دالة عليه، والتأسي هو أن يفعل مثل فعله على وجهه لأجل فعله. وكذلك الترك، وما جهلت صفته فقيل بالوجوب، وبالندب وبالوقف والإباحة، واختيار فخر الإسلام قول الجصاص: PageV01P246
لنا فعله مع اعتقاد الإباحة، خلافا للكرخي رحمه الله في الوقف عن الاتباع إلا بدليل، وفي الأحكام: إن ظهر قصد القربة فمندوب وإلا فمباح. الوجوب: {واتبعوه} {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} وهو صادق على الفعل {وما آتاكم الرسول فخذوه} وفعله مأتي به {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وهو زجر في طي أمر. أي تأسوا به فمن كان يؤمن فهو متأس ومن لا فلا {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} والاتباع من لوازم محبة الله تعالى وهي واجبة {فلما قضى زيد} ولولا الوجوب لما رفع تزويجه الحرج عن المؤمنين في أزوواج أدعيائهم ولما خلع نعله فخلعوا متابعة PageV01P247 # بين لهم علة انفراده ولما نهاهم عن الوصال وواصل سألوه، فقال: لست كأحدكم، فأقرهم على ما فهموه من وجوب المشاركة، ولما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الغسل أجاب: أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء، ولولا الاتباع لما كان هذا جوابا، ولما أمرهم بالتحلل بالحلق والذبح PageV01P248 # فتوقفوا فذبح وحلق فأقدموا لوجوب الاتباع وللإجماع أن الصحابة رضي الله عنهم تركوا اختلافهم في الغسل من غير إنزال بما روت عائشة رضي الله عنها من غسله عنه، ولأن الحمل على الوجوب أحوط كما إذا نسي تعيين صلاة من يوم أو تعيينه مطلقة، ولأن فعله قام مقام قوله في بيان المجمل والتخصيص والتقييد، فكان مطلقه محمولا على الوجوب.