مقدمة المصنف
الخير دأبك اللهم، يا واجب الوجود؛ والفيض شعارك يا واسع الرحمة والجود، أنت الذي لاينقص فيضك العطاء، وكلتا يديك بالخير سحاء، لك النعمة السابغة، والحجة البالغة، وبعفوك عياذ العباد، ومنك المبدأ، وإليك المعاد، بعثت النبيين بالحق؛ فأقمت بهم الحجة، وأوضحت بهديهم المحجة، وخصصت محمدا سيد البشر بأنواع الكمالات، وختمت برسالته الرسالات، وقطعت بحجته العلل، ونسخت بملته الملل، اللهم فصل عليه صلاة تقف دونها نهايات الطلب، ويتبوأ بها أعلى المقامات والرتب واجعلنا اللهم ممن أرضاك باتباعه، وأخلص لك في قول الحق واستماعه، وأراد وجهك الكريم بما نقحه وصنفه واستصحب توفيقك فيما جمعه وألفه.
قد منحتك أيها الطالب، لنهاية الوصول إلى علم الأصول بهذا الكتاب البديع في معناه المطابق اسمه لمسماه، لخصته لك من كتاب الإحكام ورصعته بالجواهر PageV01P001 # النفيسة من أصول فخر الإسلام فإنهما البحران المحيطان بجوامع الأصول، الجامعان PageV01P003 # لقواعد المعقول، والمنقول، هذا حاو للقواعد الكلية الأصولية، وذاك مشحون بالشواهد الجزئية الفروعية.
وهذا الكتاب: يقرب منهما البعيد، ويؤلف الشريد، ويعبد لك الطريقين ويعرفك اصطللاح الفريقين، مع زيادات شريفة، وقواعد منقحة لطيفة، واختيار للفص واللباب، ورعاية للمذهب الذي هو أصل الباب، فما أجدرك بتحصيله، وتحقيق إجماله وتفصيله، والله الموفق لإدراك الأماني، واستجلاء أبكار المعاني.
وقد رتبته على أربع قواعد:
الأولى: في المبادئ.
والثانية: في الأدلة السمعية، وأقسامها وأحكامها.
والثالثة: في أحكام الإجتهاد، والمفتي والمستفتي.
والرابعة: في ترجيحات طرق المطلوبات. PageV01P004
القاعدة الأولى في المبادئ
.
حق على من حاول علما أن يتصوره بحده أو رسمه، ويعرف موضوعه، وغايته، واستمداده.
فأصول PageV01P005 # الفقه علما:
[هو] العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.
واستنباط الأحكام: فصل عن استنباط الصنائع.
والشرعية: عن العقلية.
والفرعية: عن مثل كون الأدلة حججا.
والتفصيلية: عن الإجمالية.
كالمقتضي والنافي. PageV01P006
واستغنينا بالاستنباط عن الاستدلالية.
وأما مضافا: فالأصول أدلة الفقه، وجهات دلالتها، وحال المستدل بها على وجه كلي.
والفقه: العلم بجملة غالبة من الأحكام الشرعية الفرعية الاستدلالية بالتفصيل.
وقولنا: بجملة غالبة فصل عن العلم بحكم، أو حكمين، وعن التعميم المشعر بأن ما دون جملة الأحكام لا يكون فقها.
والشرعية والفرعية: عما سبق.
والاستدلالية: عن علم الله تعالى، والملك، والرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتفصيل: عما سبق. PageV01P007
وموضوعه: الأدلة التي يبحث عن أقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية الاستثمار منها على وجه كلي.
وغايته: معرفة الأحكام الشرعية.
واستمداده: من الكلام، والعربية، والأحكام الشرعية.
أما الكلام: فلتوقف إفادة الأدلة لأحكامها على معرفة الله تعالى وصفاته، وأفعاله، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما العربية: فلتوقف معرفة دلالاتها على العلم بموضوعاتها لغة من الحقيقة والمجاز، وعلى العموم، والخصوص، والإطلاق، والتقيد، والحذف، والإضمار، والمنطوق، والمفهوم، والإقتضاء والإشارة، والصريح، والكتابة وغيرها.