قيل له: أما قول الخطابي بأن دعوى النسخ لا وجه لها، فليس بشيء، لأنا قد ذكرنا فيما تقدم وجوها دالة على ثبوت النسخ، ثم نقول: ومن أين لك أن تحريم
الكلام كان بمكة؟ ومن روى لك ذلك وقد روينا في أول (هذا الباب) من طريق أبي داود: عن زيد بن أرقم أنه قال: " كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة فنزلت: {وقوموا لله قانتين} ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ". وهذه الآية في سورة البقرة، وسورة البقرة مدنية بالإجماع، وصحبة زيد بن أرقم لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] إنما كانت بالمدينة، فقد ثبت بحديثه أن نسخ الكلام بالمدينة بعد قدوم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من مكة، وأما إسلام أبي هريرة رضي الله عنه، (وكونه) متأخرا، وهجرة عمران بن حصين، (وكونها متأخرة) فلا يقدح في القول بالنسخ، لأن أبا هريرة رضي الله عنه صحب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أربع سنين، وليس بممتنع أن تكون الآية المحرمة للكلام في الصلاة نزلت بعد إسلام أبي هريرة، وهجرة عمران بن حصين، وحديث / ذي اليدين، فلا يجوز الاحتجاج به ما لم يقم الدليل على أنه كان بعد نسخ الكلام.
(ذكر ما في الحديث الثاني في أول هذا الباب من الغريب:)
الثكل: فقدان المرأة ولدها ما كهرني: ما أغلظ (علي) في القول.
(باب العمل الكثير يبطل الصلاة)
عمدا كان أو سهوا، لأنه غير محتاج إليه، ولا يعذر بالنسيان لأن حالة الصلاة
مذكرة، وتمسك من لم يبطل الصلاة بالعمل الكثير حالة النسيان بحديث ذي اليدين لا يصح لأنا قد بينا فيما تقدم أنه منسوخ.
فإن قيل: فقد روى أبو داود: عن أبي قتادة رضي الله عنه: " أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب ابنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها ".
قيل له: قال بعض الناس: هذا (الحديث) منسوخ، وقال بعضهم، هذا مخصوص بالنبي [صلى الله عليه وسلم] ، إذ لا يؤمن على الطفل البول وغير ذلك على حامله، وقد يعصم النبي [صلى الله عليه وسلم] عن ذلك مدة إمساكه.
وقال الخطابي: " يشبه أن يكون هذا الصنيع من النبي [صلى الله عليه وسلم] لا عن قصد وتعمد في الصلاة، ولعل الصبية من (طول) ما ألفته واعتادته مما أنسته في غير الصلاة (كانت) تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة، فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها، وإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه وضعها بأن يحطها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيام وقد عادت الصبية إلى مثل الحال الأول لم يدافعها ولم يمنعها، حتى إذا (قام) بقيت محمولة معه، هذا وجه هذا الحديث ولا يكاد يتوهم عليه [صلى الله عليه وسلم] أنه كان يتعمد حملها ووضعها وإمساكها في الصلاة
تارة بعد أخرى، لأن العمل في ذلك قد يكثر ويتكرر، والمصلي (يشتغل) بذلك عن صلاته، ثم ليس فيه شيء أكثر من قضائها وطرا من لعب ولا طائل له ولا فائدة فيه، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل (بها الأنبجانية) ، فكيف (لا) يشتغل عنها بما هذه صفته من الأمر ".
/ قلت: إلا أن هذا التأويل يدفعه قول أبي قتادة: " بينما نحن في المسجد جلوس خرج علينا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأمامة بنت أبي العاص يحملها على عاتقه، فصلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وهي (على) عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام ". وقيل إن هذا كان للضرورة، إذ لم يجد من يكفها، وقيل حملها لأنه لو تركها بكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها، وأحسن ما يحمل عليه هذا الحديث أن يكون شرعا في جواز الصلاة مع (الفعل) الكثير إذا تكرر مرارا وكان بين كل مرة فرجة ولم يكن متواليا.