(باب لا يصلي المفترض خلف المتنفل)
/ لقوله [صلى الله عليه وسلم] : " إنما جعل الإمام ليؤتم به ". فإن قيل: روى أبو داود: عن جابر بن عبد الله: " أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي [صلى الله عليه وسلم] العشاء ثم يأتي قومه فيصلي بهم تلك الصلاة ".
قيل له: أخرج البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود: واللفظ له، عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: " إن معاذا كان يصلي مع النبي [صلى الله عليه وسلم] ثم يرجع فيؤم قومه ". وليس في قوله: " فيصلي بهم تلك الصلاة "، دليل على أنه كان يصلي مع النبي [صلى الله عليه وسلم] الفرض ويصلي بقومه النفل ولا في هذا الحديث كيفية نية معاذ.
فإن قيل: فقد روى الدارقطني هذا الحديث وزاد فيه: " هي له تطوع ولهم فريضة ".
قيل له: قال الطحاوي: يجوز أن يكون هذا من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان هذا القول، فليس فيه دليل على حقيقة ما كان يفعل معاذ، ولو ثبت أنه عن معاذ لم يكن فيه دليل أنه كان بأمر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ".
وروى الطحاوي عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة الزرقي: " أن رجلا من بني سلمة يقال له سليم أتى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال: إنا (نظل) في أعمالنا فنأتي حين نمسي فنصلي، فيأتي معاذ فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطول علينا، فقال له النبي [صلى الله عليه وسلم] : يا معاذ لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك ".
" فهذا يدل على أنه كان عند رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يفعل أحد الأمرين إما الصلاة معه أو بقومه، ولم يكن يجمعهما، لأنه قال إما أن تصلي معي، أي ولا تصلي بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي ".
فإن قيل: إن معاذا كان أعلم من أن يفوت (فرضه) مع النبي [صلى الله عليه وسلم] لأجل إمامة غيره.
قيل له: وسائر أئمة مساجد المدينة أليس كان يفوتهم الفرض مع النبي [صلى الله عليه وسلم] والنفل، فكان حظ معاذ أكبر، ولمعاذ في الصلاة بالقوم والتنفل مع النبي [صلى الله عليه وسلم] / فضل على غيره، ثم نقول هذا الحديث حكاية حال ولم تعلم كيفيتها فلا عمل عليها، ثم إنه معارض بما رويناه في أول الباب من قوله عليه السلام: " إنما جعل الإمام ليؤتم به ". أي ليقتدى به، فإذا صلى هذا الظهر وهي فرض والإمام يصليها نفلا فاي اقتداء
هنا، والنية ركن وهي الأصل، ألا ترى أنه لا تحل مخالفته فلا يركع قبله ولا يسجد قبله، وليس الزمان من أوصاف الصلاة ولا (هو) من مقتضياتها؟ فالنية التي هي ركن العبادة أولى، فتصير مخالفته في النية نظير مخالفته في الفعل الذي هو ركن فيقوم مع القاعد ويسجد مع الراكع وهذا لا يجوز. قال ابن العربي: - أظن -: وهذا نفيس جدا ".
وروى الطحاوي: عن ابن مرزوق، عن سعيد بن عامر، قال: " سمعت يونسا (يقول) : جاء عباد إلى المسجد في يوم مطير، فوجدهم يصلون العصر، فصلى (معهم) وهو يظن أنها الظهر، (ولم يكن صلى الظهر) ، فلما صلوا فإذا هي العصر، فأتى الحسن فسأله عن ذلك فأمره أن يصليهما جميعا ". وهكذا عن ابن عمر، وابن سيرين. وإلى ما ذهبنا إليه ذهب الزهري، وربيعة، ومالك رحمهم الله.