(باب يكره إمامة الأعمى)
(لأنه لا يتقي النجاسة) ، (قال الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} . فمن سوى بينهما فقد خالف نص الكتاب، وهذا نظير قوله تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ، وأجمعنا أنه إذا اجتمع العالم والجاهل قدم العالم، فكذا إذا اجتمع / الأعمى والبصير قدم البصير.
فإن قال القائل: أنا أقول بأن الأعمى أولى، لأنه لا يرى ما يلهيه، ولست بمخالف للكتاب لأني لم أسو بينهما.
قيل له: إن كنت لم تخالفه لفظا فقد خالفته معنى، فإن الآية ما سيقت إلا لبيان أن الأعمى أحط رتبة من البصير، وأنت قد رفعت رتبته على البصير فقد خالفت الكتاب، ثم أقول بأن البصير أولى لأنه يتجنب النجاسة التي تفسد الصلاة، والأعمى يترك النظر إلى ما يلهيه وذلك لا يفسد الصلاة، وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق صاحب المهذب من أصحاب الشافعي رحمه الله، و (هذا الكلام) ألحقته بهذا الكتاب (بعد أن سمعته مرة واحدة) .
فإن قيل: روى أبو داود: عن أنس رضي الله عنه أن النبي [صلى الله عليه وسلم] استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى. وليس من الجائز أن يقال: إنما فعل النبي [صلى الله عليه وسلم]
ذلك بيانا للجواز، فإن الجواز كان يستفاد من الصلاة خلفه مرة واحدة أو مرتين. وقد حكى النمري أنه عليه السلام استخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، واستخلفه عمر بن الخطاب أيضا في حجة الوداع، فلو كانت الصلاة خلفه مكروهة لما فعله النبي [صلى الله عليه وسلم] .
قيل له: من (المحتمل) أن ابن أم مكتوم كان له من يراعي حاله ويحرسه من أن تصيبه النجاسة.
(باب صلاة الجماعة سنة مؤكدة)
أما أنها سنة: فلما روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ".
وأما أنها مؤكدة: فلما روينا (عنهما) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن (لها) ، ثم آمر رجالا يؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون
الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء " /.
وجه الاستدلال بهذين الحديثين: أنه أثبت (لصلاة الواحد) فضلا، وهم بالتحريق ولم يحرق، وإنما أخرجه مخرج الوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة.