الطحاوي: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: " خرج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى بدر، فلقي العدو، فلما هزمهم الله اتبعهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله عز وجل العدو ورجع الذين طلبوهم، قالوا: لنا النفل، نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله تعالى وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله [صلى الله عليه وسلم] : ما أنتم بأحق منا، هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله [صلى الله عليه وسلم] لا ينال العدو منه غرة. وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق منا، نحن حويناه واستوليناه. فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} . إلى قوله: {إن كنتم مؤمنين} . فقسم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بينهم على سواء ".
أفلا ترى أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لم يفضل في ذلك الذين تولوا القتل على الآخرين، فثبت بذلك أن سلب المقتول لا يجب للقاتل بقتله لصاحبه إلا بجعل الإمام إياه له، على ما فيه من صلاح المسلمين من التحريض على قتال / عدوهم.
فإن قيل: إن الذي ذكرتموه من سلب أبي جهل، وما ذكرتموه في حديث عبادة بن الصامت، إنما كان ذلك في يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين. ثم جعل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يوم خيبر الأسلاب للقاتلين فقال: " من قتل قتيلا فله سلبه " فنسخ ذلك ما تقدم.
قيل له: ليس كذلك، لأنه يجوز أن يكون أراد به من قتل قتيلا في تلك الحرب
لا غير. كما قال يوم فتح مكة: " من ألقى سلاحه فهو آمن ". فلم يكن ذلك على كل من ألقى السلاح في غير تلك الحرب. ولما ثبت أن الحكم كان قبل يوم حنين أن الأسلاب لا تجب للقاتلين ثم حدث يوم خيبر هذا القول من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] احتمل أن يكون ناسخا لما تقدم، واحتمل أن لا يكون ناسخا، لم نجعله ناسخا حتى نعلم ذلك يقينا.
ويؤيد ذلك ما روى الطحاوي: عن أنس بن مالك: " أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك بارز (مرزبان الدارة) فطعنه طعنة فكسر القربوس وخلصت إليه فقتلته، فقوم سلبه بثلاثين ألفا. فلما صلينا الصبح غدا علينا عمر فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس الأسلاب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا ولا أرانا إلا خامسيه. فقومناه بثلاثين ألفا. فدفعنا إلى عمر ستة آلاف ".
فهذا عمر رضي الله عنه يقول هذا. وفيه دليل على أنهم (كانوا) لا يخمسون الأسلاب ولهم أن يخمسوا. وأن الأسلاب لا تجب للقاتلين دون أهل العسكر. وقد حضر عمر ما كان من قول رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يوم خيبر: " من قتل قتيلا فله سلبه " فدل أن ذلك عنده (على كل) من قتل قتيلا في تلك الحرب خاصة. وقد كان أبو طلحة (أيضا) حضر ذلك بخيبر، وقضى له رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (بأسلاب القتلى الذين) قتلهم فلم يكن ذلك موجبا بخلاف ما أراد عمر في سلب المرزبان. وقد كان
أنس بن مالك حاضرا ذلك أيضا من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بخيبر، ومن عمر (في) يوم البراء. فكان ذلك عنده على ما أراد عمر لا على خلاف ذلك. فهؤلاء أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (لم) يجعلوا قول رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على النسخ لما تقدم. (ثم) إن السلب عند الشافعي رحمه الله لا يستحق في الإدبار، وإنما يستحق في الإقبال. والأثر الوارد في السلب لم يفرق بين حال الإقبال والإدبار. فإن احتج بالخبر فقد خالفه، وإن احتج بالنظر فالنظر يوجب أن يكون غنيمة للجميع، لاتفاقهم على أنه لو قتله في حال / الإدبار لم يستحقه، ولو كان مستحقا بنفس القتل لما اختلف حكم الإقبال والإدبار.