(باب من اطلع في دار قوم ناظرا إلى حرمهم (ونسائهم) فمنع فلم يمتنع)
فذهبت عينيه في حال الممانعة فهو هدر. وكذلك من دخل دار قوم أو أراد دخولها فمانعوه وهذا مجمل قوله عليه السلام: " من كشف سترا فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له فرأى عورة أهله فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه، لو أنه حين أدخل بصره استقبله رجل ففقأ عينه ما غيرت عليه. وإن مر على باب غير مغلق فنظر فلا خطيئة عليه إنما الخطيئة على أهل البيت "، فأما إذا لم يكن إلا مجرد النظر، ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي، ثم جاء إنسان ففقأ عينه، فهذا (جان) يلزمه حكم جنايته. ويعضد هذا التأويل أنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا. وكان عليه القصاص إذا كان عمدا، والأرش إن كان خطأ. ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع (الدخول) . فظاهر الحديث مخالف لما عليه الاتفاق. وما ذكرناه أولى ما حمل (عليه) معناه. والله أعلم.
(باب
ما أصابت البهيمة ليلا أو نهارا)</span>
إذا كانت منفلتة فلا ضمان على ربها، وإن كان هو سيبها فما أصابت في فورها وسننها ضمن ذلك كله. مالك: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " جرح العجماء جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس "، والجبار: الهدر الذي لا ارش فيه. ولا خلاف في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه. فلما كان هذا الخبر مستعملا عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما تصيبه ليلا أو نهارا، ثبت بذلك نسخ ما في قصة داود وسليمان، ولأن سائر أسباب الضمان لا يختلف الحكم فيها بالليل والنهار. فلما اتفق (الجميع) على نفي إيجاب الضمان نهارا (وجب) أن يكون حكمهما ليلا كذلك.
فإن قيل: " روي أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فقضى
رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن على (أهل) / الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل في ضمان أهلها "
قيل له: هذا الحديث لم يصله مالك، ولا الأثبات من أصحاب الزهري، والحكم فيه مأخوذ من حكم سليمان النبي [صلى الله عليه وسلم] في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم. فحكم النبي [صلى الله عليه وسلم] بمثل ذلك الحكم. ثم أحدث الله هذه الشريعة فنسخت ما قبلها. ألا ترى أن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يراع وجوب حفظها عليه، وراعى انفلاتها فلم يضمنه شيئا مما أصابت، فرجع الأمر إلى استواء الليل والنهار. وجائز أن يكون النبي [صلى الله عليه وسلم] إنما أوجب الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها. وتكون فائدة الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل والنهار في الزرع الحوائط لا يخلو من نفش بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك.
فبين النبي [صلى الله عليه وسلم] (حكمها إذا أصابت زرعا. ويكون فائدة الخبر أيضا إيجاب الضمان لسوقه وإرساله في الزرع وإن لم يعلم ذلك. وبين تساوي) حكم العلم والجهل فيه. وجائز أن تكون قصة داود وسليمان على ما ذكرنا من التأويل. وذكر ابن عبد البر قال: " وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه ضمن الذي أجرى فرسه عقل ما أصاب الفرس ". وقوله عليه السلام: " والمعدن جبار " أن المعادن المطلوب فيها الذهب والفضة تحت الأرض، فإذا سقط منها شيء انهار على أحد من العاملين فمات فيها فإنه هدر.