(باب قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا)
والدليل على ذلك أن النبي [صلى الله عليه وسلم] فرق بين المتلاعنين. وقد علمنا أنه (لو) علم صدق المرأة لحد الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج صادق لحد المرأة للزنا ولم يفرق بينهما. فلما خفي عليه الصادق منهما وجب حكم آخر / وهو حرمة الفرج في الظاهر والباطن. وكذلك حكم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في المتبايعين إذا اختلفا والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، وتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها، وتحرم على المشتري، ولو علم الكاذب منهما إذا لقضى بما قال الصادق منهما ولم يقض بفسخ بيع ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري.
فلما ثبت هذا في المتلاعنين والمتبايعين ثبت أن يكون كل قضاء بما ليس فيه تمليك أموال كذلك. وأما قوله عليه السلام: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل
بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له (على) نحو ما أسمع (منه) ، فمن قضيت له بشيء من (حق) أخيه (فلا يأخذنه) فإنما اقتطع له قطعة من النار "، فهو محمول على الأموال، وهو ظاهر فيها جمعا بينه وبين ما ذكرنا من الأحكام المروية عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] .
(ذكر الغريب:)
ألحن بحجته: أي أفطن لها، واللحن بفتح الحاء: الفطنة، يقال منه (لحنت الشيء) بكسر الحاء ألحن لحنا، ورجل لحن: أي فطن، واللحن بسكون الحاء: الخطأ. ذكره في الغريب.
(باب لا يجوز الحكم بالقافة)
الطحاوي: عن عروة بن الزبير: " أن عائشة زوج النبي [صلى الله عليه وسلم] أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء: فمنه أن يجتمع الرجال العدد على المرأة
لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، وكن ينصبن على أبوابهن الرايات، فيطأها كل من دخل عليها، فإذا حملت ووضعت حملها جمع لها القافة فأيهم ألحقوه به صار أباه ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله عز وجل محمدا بالحق هدم نكاح الجاهلية وأقر نكاح أهل الإسلام ".
ففي هذا الحديث (دليل) أن الحكم بالنسب بقول القافة كان حكم الجاهلية، فهدمه النبي [صلى الله عليه وسلم] وأقر حكم الإسلام.
وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " دخل مجزز المدلجي على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما فقال: / إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] مسرورا ". فسرور رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بقول مجزز المدلجي (ليس) فيه دليل على (وجوب الحكم) بقول القافة لأن أسامة كان نسبه ثابتا من زيد قبل ذلك، ولم يحتج النبي [صلى الله عليه وسلم] في ذلك إلى قول أحد، ولولا ذلك لما دعي أسامة فيما تقدم إلى زيد. وإنما تعجب النبي [صلى الله عليه وسلم]
من (إصابة مجزز) كما يتعجب من ظن الرجل الذي يصيب ظنه حقيقة الشيء الذي ظنه، ولا يجب الحكم بذلك. وترك رسول الله [صلى الله عليه وسلم] الإنكار عليه لأنه لم يتعاط بذلك إثبات ما لم يكن ثابتا.
قال الطحاوي رحمه الله: " وقد روي عن عمر رضي الله عنه من وجوه صحاح ما يدل على ما ذكرنا.
من ذلك ما روي عن الشعبي عن ابن عمر: أن رجلين اشتركا في ظهر امرأة، فولدت (لهما) ولدا، فدعا عمر رضي الله عنه القافة (فقالوا) : أخذا الشبه منهما جميعا، فجعله بينهما.