(باب من كان عنده شهادة لإنسان وجب عليه أن يخبر بها وإن لم يسأل، ويجب على الحاكم قبولها)
مسلم: عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله قال: " ألا أخبركم بخير الشهداء، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ".
قال مالك: " الذي يخبر بشهادته ولا يعلم بها الذي هي له أو يأتي بها الإمام ".
قال الطحاوي: " وقد فعل أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ذلك، فأتوا الإمام فشهدوا بذلك ابتداء، منهم أبو بكرة ومن كان معه حين شهدوا على المغيرة بن شعبة، ورأوا ذلك لأنفسهم لازما، ولم يمنعهم عمر على ابتدائهم إياه بذلك، بل سمع شهادتهم ولم ينكر عليهم ".
فإن قيل: (فقد) صح عن عمران بن الحصين أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري قال بعد قرنه مرتين أو ثلاثا، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويحلفون ولا يستحلفون ".
قيل له: (المراد بهذا شهادة الزور، وكذلك يحلفون ولا يستحلفون) أراد أن يحلف على شيء هو فيه آثم، ولهذا جاء في بعض الطرق: " ثم يفشوا الكذب ".
(باب تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض)
قال ابن إسحاق: " وحدثني ابن شهاب الزهري أنه سمع رجلا من أهل العلم من مزينة يحدث عن سعيد / بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم: أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت (المدراس حين) قدم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] المدينة، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فسلوه كيف الحكم فيهما، وولوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعلمكم من التجبية - والتجبية: الجلد بحبل من ليف مطلى بقار، ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ويجعل وجوههما قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه فإنما هو ملك وصدقوه. وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. فأتوه فقالوا يا محمد: هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما. فمشى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال: يا معشر يهود أخرجوا إلي علماءكم، فأخرجوا عبد الله بن صوريا. قال
ابن إسحاق: و (قد) حدثني بعض بني قريظة أنهم أخرجوا إليه مع ابن صوريا أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهودا، فقالوا هؤلاء علماؤنا، فسألهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، ثم تحصل أمرهم إلى أن قالوا: لعبد الله بن صوريا هذا أعلم من بقي بالتوراة. فخلا به رسول الله [صلى الله عليه وسلم]- وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا - فألط به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] المسألة، يقول له: يا ابن صوريا أنشدك الله، وأذكرك بأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم؟ فقال: اللهم نعم أم والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك لنبي مرسل، ولكنهم يحسدونك. قال: فخرج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني غنم بن النجار، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] .