وهذه العادة الظاهرة أن الإنسان إذا لحقه من غيره ما يسوؤه طعن فيه طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى.
(ذكر ما في الحديث من الغريب:)
الولوغ للسباع كالشرب لبني آدم، وقد يستعمل الشرب للسباع ولا يستعمل الولوغ في بني آدم.
قال أبو عبيدة: " الولوغ: بضم الواو، إذا شرب قليلا، وإذا أكثر (فهو) بفتحها ". وعفروه: مرغوه.
(/
باب " إذا (أصابت) (الخف) نجاسة لها جرم فجفت فدلكه بالأرض جاز ")
أبو داود: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور ".
وفي رواية: " إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب ".
وفي الحديث الأول رجل مجهول، والحديث الثاني: من رواية محمد بن عجلان، وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد، والجرح (مقدم) على التعديل.
وهذا نوع آخر من أنواع الحديث، جوزنا العمل به، وتركنا القياس من أجله (حيث لم يعارضه غيره) . وقد قال بمثل قولنا جماعة، منهم الأوزاعي، قال:
" يجزيه أن يمسح القذر من نعله أو خفه (بالتراب) ويصلي فيه ". وروي مثل ذلك عن عروة بن الزبير، وكان النخعي يمسح النعل أو الخف يكون فيه السرقين عند باب المسجد، ويصلي بالقوم.
(وقال) أبو ثور: " إذا مسح ذلك حتى لا يجد له ريحا ولا أثرا رجوت أن يجزيه ". وقد ترك العمل بهذا الحديث قوم، وتأولوه على ما إذا كانت النجاسة يابسة فوطئ عليها، وعمل بالقياس، وهو تأويل ضعيف، والله بنا وبمن تأوله لطيف.
(باب إذا وقع في البئر حيوان فمات ماذا حكمه؟)
الطحاوي: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن منصور، عن عطاء، " أن حبشيا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن الزبير فنزح ماؤها، فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم ".
وبه: عن أبي بكرة، عن أبي عامر العقدي، عن سفيان، عن زكريا، عن الشعبي، في الطير والسنور ونحوهما يقع في البئر، قال: " ينزح منها أربعون دلوا ". وعنه: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم،
عن عبد الله بن سبرة الهمداني، عن الشعبي، قال: " يدلى منها سبعون (دلوا) ".
وبه: عن هشيم، عن مغيرة بن مقسم (أبي هشام) الضبي، عن إبراهيم النخعي في البئر يقع فيها جرذ أو سنور فيموت، قال: " (يدلى) منها أربعون دلوا ". وعنه: عن عطاء، عن ميسرة وزاذان، عن علي رضي الله عنه (قال) : " إذا سقطت الفأرة أو الدابة / في البئر فانزحها حتى يغلبك الماء ".
وعنه: عن (حماد بن أبي سليمان) أنه قال في دجاجة وقعت في بئر فماتت، قال: " ينزح منها قدر أربعين دلوا، أو خمسين دلوا، ثم يتوضأ منها ".
قال ابن العربي: " وروى قتيبة بن سعيد و (أبو مصعب) ، عن مالك في الفأرة تموت في البئر، قال: تنزف كلها.
وروى ابن أبي أويس عنه: " ينزف منها سبعون دلوا ".
فقد حكم من حكينا قوله من الصحابة والتابعين بنجاسة ماء الآبار وتطهيرها، بما روينا عنهم، ولم ينقل عن غيرهم خلافه، فقلدناهم وتركنا القياس من أجل ما روي عنهم، وهذه المسألة أكبر شهادة لنا في أنا أقل الناس عملا بالقياس.