(باب النزول بالأبطح سنة)
البخاري: عن أنس بن مالك رضي الله عنه: " أن النبي [صلى الله عليه وسلم] صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به ". وكان ابن عمر يراه سنة.
وعنه: أنه قال: " كان النبي [صلى الله عليه وسلم] وأبو بكر وعمر (وعثمان) ينزلون بالأبطح ".
فإن قيل: قال ابن عباس رضي الله عنهما: " التحصيب ليس بسنة، وإنما هو منزل ". وعن عائشة أنها قالت: (نزول) الأبطح ليس بسنة، وإنما نزل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج ".
قيل له: قد ذكرنا أن ابن عمر كان يراه سنة، وقوله عليه السلام لأصحابه: " نحن نازلون بخيف بني كنانة، حيث (تقاسمت) قريش على الكفر " يدل على أنه عليه السلام قصد النزول به إراءه للمشركين لطيف صنع الله به، فكان سنة كالرمل.
(ذكر الغريب:)
الخيف: ما ارتفع عن الوادي وانحدر عن الجبل. والله أعلم.
(باب لا يجوز دخول مكة بغير إحرام)
(البخاري) : عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: " ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقولوا له: إن الله عز وجل أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب، فقيل لأبي شريح / ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك (يا أبا شريح) إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة ".
فإن قيل: إن الذي أحل لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان شهر السلاح فيها للقتال وسفك الدماء لا غير ذلك.
قيل له: هذا محال، إذ لو كان ذلك لما قال: " ولا تحل (لأحد) بعدي،
وقد رأيناهم أجمعوا أن المشركين - والعياذ بالله - لو غلبوا على مكة فمنعوا المسلمين منها أنه حلال للمسلمين قتالهم، وشهر السلاح بها، وسفك الدماء، وأن حكمهم كحكم النبي [صلى الله عليه وسلم] في ذلك. وإذا انتفى أن يكون هو القتال ثبت أنه الإحرام، يدل على ذلك قول عمرو بن سعيد لأبي شريح: " إن الحرم لا يعيذ عاصيا، الحديث ". ولم ينكر ذلك أبو شريح ولم يقل له (إن النبي [صلى الله عليه وسلم] ) إنما أراد بما حدثتك أن الحرم قد (يجير كل الناس) ولكنه عرف ذلك فلم ينكره.
فإن قيل: قوله عليه السلام لما وقت المواقيت: " فهن لهن ولمن أتى عليهن ممن كان يريد الحج والعمرة "، يمنع أن يجب الإحرام على من لم يرد النسك.
قيل له: التنصيص لا يدل على التخصيص، وهذا مثل قوله عليه السلام: " من أعتق شقيصا له في عبد ". الحديث. وأجمعنا على أن حكم الأمة في ذلك حكم العبد، لأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه التاجر والمعتمر وغيرهما.