بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على آلائه ونعمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم لقائه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وسيد أصفيائه، وخاتم رسله وأنبيائه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه وخلفائه، ورضي الله عن الأئمة المهديين من أمنائه.
وبعد:
فإني لما رأيت أناسا يأخذون منا، ويسلبون علم الحديث عنا، ويجعلون ذلك عيبا وطعنا (ويظهرون ذلك فيما بينهم، ويخفون عن الناس مينهم، ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون، إرغاما لهم، وتسفيها لآرائهم) (وينسبون إلينا خاصة العمل بالقياس، ويظهرون ذلك فيما بين الناس، ويصرحون بالرد علينا ولا يكنون، ولا يراقبون الله فيما يقولون) .
سلكت طريقا يظهر بها حسدهم وبغيهم، ويبطل بها قصدهم وسعيهم، وذكرت الأحاديث التي تمسك بها أصحابنا في مسائل الخلاف، وسلكت فيها سبيل الإنصاف، (وعزيت الأحاديث إلى من خرجها، وأوردت من طرقها أوضحها وأبهجها) ، ليظهر لمن نظر فيها وأنصف، أننا أكثر الناس انقيادا لكتاب الله تعالى، وأشد اتباعا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وإننا لمحرزون قصبات السبق في سلوك طريق الحق) .
فألفت هذا الكتاب، ووسمته باللباب في الجمع بين السنة والكتاب، وجعلته عدة ليوم الحساب.
والله أسأل أن يصلح مني القول والعمل والنية، ولا يجعلني ممن يموت على عصبية، ويسهل حفظه على ملتمسيه وينفع من نظر فيه.
((كتاب الطهارة))
قال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} .
والطهور هو الطاهر في نفسه، (ومنه قوله تعالى: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} ) ، (وقال تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} .
والطهور يذكر ويراد به المطهر لغيره، ومنه قوله [صلى الله عليه وسلم] لما سئل (عن ماء) البحر (فقال) : " هو الطهور ماؤه، (الحل ميتتة) ".
(ويذكر ويراد به الطاهر لا المطهر، ومنه قوله تعالى: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} ، وقوله [صلى الله عليه وسلم] : " إن الصعيد الطيب طهور "، " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، عند من يعتقد أن التيمم لا يرفع الحدث. ومنه قول جرير:
( ... عذاب الثنايا ريقهن طهور ... )
فإن قيل: لو كان الطهور هنا بمعنى الطاهر لم يكن لشراب أهل الجنة مزية على شراب أهل الدنيا، ولم يكن لريق من وصفهن جرير فضيلة على غيرهن.
قيل له: لا يلزم ذلك، لأن شراب أهل الدنيا منه ما هو نجس كالخمر، ومنه ما هو مدنس بما يلازمه من حرارة أو برودة يحصل منهما للشارب مضرة، وشراب أهل الجنة ينزه عن هذه الأشياء.
قال الله تعالى في صفة خمر الجنة: {لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} ، فلهذا وصفه الله بالطهارة.
والطاهر عبارة عن المنزه عنا يستقذر، فكأنه قال: (كان) ريقهن منزه عما يستقذر من دم يخرج من الأسنان فيختلط به، أو من رائحة قبيحة تجاوره من أثر طعام يبقى بين الأسنان، أو ما يعلوها من أبخرة تتصعد من المعدة عند خلوها وهو المسمى بالخلوف، فبهذا ثبتت فضيلة ريقهن على ريق غيرهن) .
(ومنه قوله تعالى: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} )
ومنه قوله [صلى الله عليه وسلم] " إن الصعيد الطيب طهور ".
وكونه مطهرا لغيره ثبت بالإجماع أو بقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} .