الأول: ما له فعل، فيجوز وقوعه موقع المصدر، ولا يجوز أن يجمع بينهما. وهذا النوع على ضربين: طلب، وخبر.
أما الطلب فما يرد دعاء، أو أمرا، أو نهيا، أو استفهاما لقصد التوبيخ.
أما الدعاء، فكقولهم: سقيا، ورعيا، وجدعا، وبعدا.
وأما الأمر، والنهي، فكقولهم: قياما لا قعودا، أي قم لا تقعد، ومنه قوله تعالى: (فضرب الرقاب) [محمد /4]. أي: فاضربوا الرقاب.
ومنه قول الشاعر: [من الطويل]
235 - يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب PageV01P194 # وإليه أشار بقوله:
........................ ... .......... فندلا اللذ كاندلا
يقال: ندل الشيء: إذا اختطفه.
وأما الاستفهام لقصد التوبيخ، فكقولك للمتواني: أتوانيا وقد جد قرناؤك ومثله قول الشاعر: [من الوافر]
236 - أعبدا حل في شعبي غريبا ... ألؤما لا أبا لك واغترابا
أي: أتلؤم وتغترب؟
وأما الخبر: فما دل على عامله قرينة، وكثر استعماله، أو جاء مفصلا لعاقبة ما تقدمه، أو نائبا عن خبر اسم عين بتكرير، أو حصر، أو مؤكد جملة، أو مسوقا للتشبيه، بعد جملة مشتملة عليه.
أما ما كثر استعماله، فكقولهم عند تذكر نعمة: اللهم حمدا وشكرا، لا كفرا، وعند تذكر شدة: صبرا لا جزعا، وعند ظهور ما يعجب منه: عجبا، وعند خطاب مرضي عنه: افعل ذلك وكرامة ومسرة، وعند خطاب مغضوب عليه: لا أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما، ولأفعلن ذلك ورغما وهوانا.
وأما المفصل لعاقبة ما تقدمه، فكقوله تعالى: (فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) [محمد /4] أي: فإما تمنون وإما تفدون.
وأما النائب عن خبر اسم عين بتكرير، أو حصر، فكقولهم: أنت سيرا سيرا، وإنما أنت سيرا.
فلو لم يكن مكررا ولا محصورا كان حذف الفعل جائزا لا واجبا. وأما المؤكد جملة فعلى قسمين: كما قال: PageV01P195
295 - ومنه ما يدعونه مؤكدا ... لنفسه أو غيره فالمبتدأ
296 - نحو له على ألف عرفا ... والثان كابني أنت حقا صرفا
المؤكد نفسه: هو الآتي بعد جملة، هي نص في معناه نحو: (له على ألف عرفا) أي: اعترافا، ويسمى مؤكدا نفسه، لأنه بمنزلة إعادة ما قبله، فكأن الذي قبله نفسه.
والمؤكد غيره: وهو الآتي بعد جملة صائرة به نصا، نحو: (أنت ابني حقا) [106] ويسمى مؤكد غيره؛ لأنه يجعل ما قبله نصا // بعد أن كان محتملا، فهو مؤثر، والمؤكد به متأثر، والمؤثر والمتأثر غيران.
وأما المسوق للتشبيه بعد جملة مشتملة عليه، فكما أشار إليه بقوله:
297 - كذاك ذو التشبيه بعد جمله ... كلي بكا بكاء ذات عضله
تقول: مررت برجل، فإذا له صوت صوت حمار، تنصب (صوت حمار) بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، تقديره: يصوت صوت حمار.
ولا يجوز أن تنصبه ب (صوت) المبتدأ؛ لأنه غير مقصود به الحدوث، ومن شرط إعمال المصدر أن يكون مقصودا به قصد فعله: من إفادة معنى الحدوث والتجدد. ومثل ذلك: له صراخ صراخ الثكلى، و (له بكاء بكاء ذات عضلة).
النوع الثاني من المصدر الآتي بدلا من اللفظ بفعله: ما لا فعل له أصلا، ك (بله) إذا استعمل مضافا، نحو: [من الكامل]
237 - بله الأكف ..................... PageV01P196
فإنه حينئذ منصوب نصب (فضرب الرقاب) [محمد /4] والعامل فيه فعل من معناه، وهو (اترك) لأن بله الشيء بمعنى: ترك الشيء، فنصب بفعل من معناه، لما لم يكن له فعل من لفظه، على حد النصب في نحو: قعدت جلوسا، وشنأته بغضا، وأحببته مقة.