ومنع الكوفيون الإضمار قبل الذكر في هذا الباب، فلم يجيزوا نحو: يحسنان ويسيء ابناك، وضرباني وضربت الزيدين، بل هم في مثل ذلك على مذهبين.
فذهب الكسائي: أنه يعمل الأول، فيقول: يحسن ويسيئان ابناك، وضربني وضربتهما الزيدان، أو بحذف فاعله للدلالة عليه، فيقول: يحسن ويسيء ابناك، وضربني وضربت الزيدين.
ومذهب الفراء: إعمال الأول، أو إعمال الثاني، وتأخير ضمير الأول، إن كان رافعا، نحو: يحسن ويسيء ابناك هما، وضربني وضربت الزيدين هما، أو إعمال المتنازعين جميعا في الاسم الظاهر، إن كانا رافعين فيجوز: يحسن ويسيء ابناك، ولا يجوز: ضربني وضربت الزيدين.
وما منعه الكوفيون من الإضمار في هذا الباب قبل الذكر ثابت عن العرب، فلا يلتفت إلى منعهم. حكي سيبويه: ضربوني وضربت قومك، وأنشد: [من الطويل]
230 - وكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب PageV01P186 # وقال بعض الطائيين: [من الطويل]
231 - جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل
وقال الآخر: [من البسيط]
232 - هوينني وهويت الغانيات إلى ... أن شبت فانصرفت عنهن آمالي
وإن كان المهمل هو الثاني من المتنازعين، فإما أن يقتضي الرفع أو النصب، فإن اقتضى الرفع وجب فيه الإضمار، وجاز استعماله باتفاق، لأنه إضمار متأخر، رتبته التقديم، فليس إضمارا قبل الذكر، وذلك نحو: (بغى واعتديا عبداكا)، و (ضربت وأكرماني الزيدين).
وإن اقتضى النصب أضمر فيه غالبا، نحو: ضربني وضربتهم قومك، ونحوه قول الشاعر: [من الطويل]
233 - إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود إسحل
لما أعمل (تنخل) في العود، أعمل (استاكت) في ضميره، فقال: (استاكت به).
وقد يحذف من الثاني ضمير المفعول، لأنه فضلة، فيقال: ضربني وضربت قومك، وأكرمني وأكرمت الزيدان. PageV01P187
283 - بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... أخرنه إن يكن هو الخبر
284 - وأظهر إن يكن ضمير خبرا ... لغير ما يطابق المفسرا
285 - نحو أظن ويظناني أخا ... زيدا وعمرا أخوين في الرخا
إذا أهمل الأول من المتنازعين، ومطلوبه غير رفع لم يجأ معه بضمير المتنازع فيه، [101] بل // لابد من حذفه إن استغني عنه، كما في نحو: ضربت وضربني زيد، وإن لم يستغن عنه بأن كان أحد المفعولين في باب (ظن) فإن لم يمنع من إضماره مانع جيء به مؤخرا، ليؤمن حذف ما لا يجوز حذفه، وتقديم ضمير منصوب على مفسر، لا تقدم له بوجه.
مثاله: مفعولا أولا: ظننت منطلقة، وظننتني منطلقا هند إياها، فإياها مفعول أول ل (ظننت)، ولا يجوز تقديمه عند الجميع، ولا حذفه عند البصريين، أما عند الكوفيين فيجوز حذفه، لأنه مدلول عليه بفاعل الفعل الثاني.
ومثاله مفعولا ثانيا: ظننتني وظننت زيدا عالما إياه، فإياه مفعول ثان ل (ظننتني)، وهو كالمفعول الأول في امتناع تقديمه وحذفه.
وقد يتوهم من قول الشيخ رحمه الله:
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... وأخرنه إن يكن هو الخبر
إن ضمير المتنازع فيه، إذا كان مفعولا في باب (ظن) يجب حذفه إن كان المفعول الأول، وتأخيره إن كان المفعول الثاني، وليس الأمر كذلك، بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف ولزوم التأخير، ولو قال بدله:
واحذفه إن لم يك مفعول حسب ... وإن يكن ذاك فأخره تصب