ألا ترى أنك إذا قلت: نعم الرجل، معرفا للفاعل بالألف واللام الجنسية، أو قلت: نعم رجلا، فأضمرته مفسرا بمميز عام له كيف يتوجه المدح إلى المخصوص به أولا على سبيل الإجمال لكونه فردا من الجنس، ثم إذا عقبته بذكر المخصوص كيف يتوجه إليه ثانيا على سبيل التفصيل، فيحصل من تقوي الحكم، ومزيد التقرير ما يزيل ذلك الاستبعاد.
وقد جوز النحويون في المخصوص بالمدح أو الذم أن يكون مبتدأ، خبره الجملة قبله، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، واجب الحذف، تقديره: نعم الرجل هو زيد، كأن سامعا سمع (نعم الرجل) فسأل عن المخصوص بالمدح، من هو؟ فقيل له: هو زيد.
491 - وإن يقدم مشعر به كفى ... كالعلم نعم المقتنى والمقتفى
قد يتقدم على (نعم) ما يدل على المخصوص بالمدح، فيغني ذلك عن ذكره، كقولك: العلم نعم المقتنى والمقتفى، أي: المتبع، ونحوه قوله تعالى حكاية عن أيوب عليه السلام: (إنا وجدناه صابرا نعم العبد) [ص /44].
وقول الشاعر: [من م. الكامل]
438 - إني اعتمدتك يا يزي ... د فنعم معتمد الوسائل
492 - واجعل كبئس ساء واجعل فعلا ... من ذي ثلاثة كنعم مسجلا PageV01P337 # استعملوا (ساء) في الذم استعمال (بئس) في عدم التصرف، والاقتصار على كون الفاعل معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى المعرف بهما، أو مضمرا مفسرا بتمييز بعده، والمجيء بعد الفاعل بالمخصوص بالذم، فيقال: ساء الرجل زيد وساء غلام الرجل عمرو، وساء غلاما عبد هند، كما قال الله تعالى: 0 بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف /29] وقال الله تعالى: (ساء ما يحكمون) [الأنعام /136]. فهذا على حد قوله تعالى: (بئس ما شروا به أنفسهم) [البقرة /102].
قوله:
....... واجعل فعلا ... من ذي ثلاثة كنعم مسجلا
أي: بلا قيد، يقال: أسجلت الشيء، إذا أمكنت من الانتفاع به مطلقا.
والمراد بهذه العبارة التنبيه على أن العرب تبني من كل فعل ثلاثي فعلا على (فعل) لقصد المدح أو الذم، وتجريه في الاستعمال، وعدم التصرف مجرى (نعم) كقولك: [185] // علم الرجل زيد، وقضو صاحب القوم عمرو، ورمو غلاما بكر، وقال الله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) [الكهف /5].
المعنى والله أعلم: بئس كلمة تخرج من أفواههم قولهم اتخذ الله ولدا.
493 - ومثل نعم حبذا الفاعل ذا ... وإن ترد ذما فقل لا حبذا
يقال في المدح: حبذا زيد، كما يقال: نعم الرجل زيد، فإذا أريد الذم قيل (لا حبذا). قال الشاعر: [من الطويل]
439 - ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
وقوله:
................. الفاعل ذا ... .............
تعريض بالرد على جماعة من النحويين، فإنهم يرون أن (حب) في هذا الباب غير مستقلة بالإسناد، بل هي مركبة مع (ذا) مجعولة معها شيئا واحدا. ثم من هؤلاء من يجعل المخصوص بعدها خبرا، على أن (حبذا) مبتدأ، ومنهم من يجعله فاعلا، على أنها فعل. وكلا القولين تكلف، وإخراج اللفظ عن أصله بلا دليل. PageV01P338
قال ابن خروف، بعد أن مثل ب (حبذا زيد): (حب) فعل، و (ذا) فاعل و (زيد) مبتدأ، وخبره (حبذا) وقال: هذا قول سيبويه، وأخطأ عليه من زعم غير ذلك.
494 - وأول ذا المخصوص أيا كان لا ... تعدل بذا فهو يضاهي المثلا
يقول: أتبع (ذا) المخصوص بالمدح أو الذم مذكرا كان أو مؤنثا، مفردا أو مثنى أو مجموعا، ولا تعدل عن لفظ (ذا) لأن باب (حبذا) جار مجرى المثل، والأمثال لا تغير، فتقول: حبذا زيد، وحبذا هند، وحبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات.