بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الفاضل مفتى المسلمين، لسان المتكلمين، شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي قدس الله روحه:
الحمد لله المنفرد بالجلال، والهادي من الضلال، والمرشد إلى السداد في الأقوال والأفعال.
وصلى الله على سيد المرسلين، المخصوص من صفات البشر بالكمال، وعلى آل سيدنا محمد وأصحابه وأزواجه ومحبيه، صلاة تقصر دونها الآمال.
أما بعد...
فإن أهل الزمان قد عكفوا من أصول الفقه على كتاب"المحصول ومختصراته" لما اشتملت عليه من الألفاظ الرشيقة والمعاني الدقيقة، ويردون على مسألة تعارض الاحتمالات العشرة المخلة بالفهم في التخاطب، فيجدون الأحكام، ويفقدون الأمثال.
وبلغني سؤالهم للفضلاء الذين يقرؤون عليهم، فلا يجدون لهم أمثلة في الوقت الحاضر؛ لاحتياجها إلى الفكر، وكذلك يتفق لي معهم أيضا، فلا أجد ما أقوله لهم.
وكذلك يمرون بمسألة ما به يخالف المشتق المشتق منه من الحركات والحروف.
وذكر الإمام: تسعة، فيطلبون أمثلتها أيضا، فأردت أن أبين مثل المسألتين بيانا شافيا، ليتداوله الفقهاء بينهم، ويجدون سؤالهم بغير فكر إن شاء الله تعالى.
ورتبت ذلك على خمسة أبحاث، وجملتين، وتتمة. PageV01P012
فالأبحاث فيما يتعلق [1/أ] بالتنبيه على مواضع من كلامه.
وأما ما ذكره من وجوه الترجيح فلا حاجة لذكره، وإنما أذكر ما ليس في الكتاب؛ لتحرير ما ذكر في الكتاب أو تحديد ما لم يذكره. PageV01P013
البحث الأول
قال: حكاية عن الشيخ الميداني (¬1) : إن حقيقة الاشتقاق أن يكون بين اللفظين مناسبة في المعنى والتركيب، فيقضى بأن أحدهما مشتق من الآخر (¬2) .
ومراده بذلك أن قولنا: ضارب، وضرب، اشتركا في الحروف الأصلية، وهي الضاد والراء والباء، فهذه هي المناسبة في التركيب، واشتركا في أن كل واحد منهما يفهم من إمساس جسم لجسم بعنف، وهذا هو المناسبة في المعنى، فيقضى حينئذ بأن أحدهما مشتق من الآخر.
واعلم أن هذا الكلام لا يستقيم، لكثرة النقوض عليه.
بيان ذلك: أن القاعدة عند النحاة كافة فيما علمته أن الاشتقاق والعجمة لا يجتمعان، وأن الاشتقاق خاص بلسان العرب، وعلى ما قاله يكون اسم إدريس؛ مشتقا من الدرس؛ لأنه درس بحقه باطل غيره، أو أنه نقل له عن ذلك، وإبليس من الإبلاس لانقطاع حجته؛ لأن الإبلاس هو انقطاع الحجة، وأنشد صاحب كتاب الزينة في اللغة (¬3) على ذلك:
يا صاح هل تعرف رسما أكرسا... قال: نعم، وأعرفه وأبلسا PageV01P014 أي: ثم صده عن الجواب.
ويكون اسم يعقوب؛ [1/ب] مشتقا من العقب؛ لأنه ولد بعد غيره, أو تفاؤلا بأنه يعقب، واسم يونس؛ من الأنس، وجبريل وعزرائيل وإسرافيل من الجبروت لأن الأول يأتي بالأمر من القتال والتعزير، والثاني بالناس للتأثر بقبض الأرواح، وعظم خلقة الثالث، ويكون ميكائيل من الكيل؛ لأنه يكيل الأرزاق، وقد روي في ذلك حديث، وذلك كثير في أسماء الأنبياء والملائكة عليهم السلام وغيرهم، ولو كانت مشتقة لم تكن أعجمية، ولو لم تكن أعجمية لانصرفت، لكن الإجماع على عدم صرفها، فلا تكون مشتقة. PageV01P015