المسألة الثالثة
"
قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب التأسي به. أي: إذا علمنا أنه فعل فعلا على وجه تعبدنا بفعله على ذلك الوجه. وقال أبو علي (¬2) بن خلاد يجب التأسي به في العبادات فقط. وقيل بمنعه مطلقا.
احتج أبو الحسين بآية الأسوة وآيتي الإتباع. فإن التأسي والإتباع (¬3) فعل PageV01P439 # مثل فعل الغير على وجه فعله وبرجوع الصحابة إلى أزواجه في قبلة الصائم (¬1) وإصباحه جنبا (¬2) وتزويجه ميمونة (¬3) وهو حلال أو (¬4) حرام.
والاعتراض على الأول: أنه لا يفيد العموم كقوله: لك في الدار ثوب حسن والتأسي به في الجملة واجب حيث قال عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي". و"خذوا عني مناسككم" (¬5). كيف؟ والآية وردت بصيغة الماضي. ولا يقال. لا يقال (¬6) فلان أسوة فلان ما لم يقتد به في كل شيء إلا ما خصه الدليل لأنا نمنع ذلك. فإن من تعلم نوعا من العلم من إنسان
يقال له في فلان أسوة حسنة. ويقال فلان أسوة فلان في كل شيء أو في بعض الأشياء.
وعلى الثاني: أن الأمر بالماهية لا يفيد العموم والتمسك بأشعار ترتب (¬7) على الاسم منقوض بقول السيد لعبده (¬8): اسقني، وقم، وغيره من النقوض الكثيرة وعلى الإجماع (¬9) ما مر. PageV01P440
التفريع: إذا وجب التأسي به عليه السلام وجب معرفة وجه فعله من الإباحة والندب والوجوب. وذلك إما بمعرفة أنه عليه السلام نص أنه فعله على ذلك الوجه. أو أنه مخير بينه وبين ما ثبت كونه على ذلك الوجه، إذ التخيير بين مختلفي الجنس لا يجوز، أو بمعرفة وروده امتثالا أو بيانا لآية دالة على ذلك الوجه أو بمعرفة نفي القسمين الباقيين. فيعرف (¬1) نفي الوجوب (¬2) والندب بالاستصحاب، ونفي الإباحة بقصد القربة.
ويختص الندب والوجوب بمعرفة وقوع الفعل قضاء واجب أو مندوب.
والندب بمعرفة إدامة الفعل والإخلال به بلا نسخ. والوجوب بمعرفة وقوعه بأمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة ووقوعه جزاء لشرط موجب كالنذر.
وأنه لو لم يجب لم يجز كركوعين في صلاة الخسوف، ثم الفعل إذا عارضه قول وعلم تقدم أحدهما، فإن تراخي المتأخر عن المتقدم نسخ حكمي المتقدم في حق من تناوله القول.
اختص به عليه السلام أو بأمته أو عمهما. وإن تعقب القول الفعل وعم القول له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل. وإن اختص بأحدهما خصصه عن عموم حكم الفعل وإن تعقب الفعل القول (¬3) وعم القول له ولأمته خصصه عن عموم القول. وإن إختص بالأمة ترجح القول على الفعل. إذ ترجيح (¬4) الفعل يلغي القول ولا ينعكس. وإن اختص به جاز إن جوز نسخ الشيء قبل حضور وقته وإلا فلا.
وإن لم يعلم تقدم واحد رجح القول لاستغناء دلالته عن الفعل من غير عكس وليقين (¬5) تناوله إيانا إذ الفعل بتقدير تقدمه لا يتناولنا. PageV01P441
" فرع"
نهى عليه السلام عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة ثم استقبل بيت المقدس فيه في البنيان (¬1) فالشافعي خصص عموم النهي بفعله في البنيان، ليجوز استقبال القبلة في البنيان للكل. إذ فعله مع دليل وجوب التأسي أخص من عموم النهي. والكرخي جعل فعله من خواصه. والقاضي عبد الجبار توقف فيه.
وإن عارضه فعل آخر بأن يقر عليه السلام شخصا على فعل ضده فيعلم خروجه عنه. أو يفعل عليه السلام ضده في وقت يعلم لزوم مثله له فيه ما لم يرد ناسخ فيعلم نسخه عنه ثم النسخ والتخصيص بالحقيقة، إنما يلحق دليل وجوب التأسي به ودليل لزوم فعله عليه السلام له في المستقبل.