الكلام في اللغات
وفيه فصول PageV01P191
الفصل الأول في أحكامها الكلية
وفيه مسائل
"
المسألة الأولى
"
الكلام يطلق على المعنى القائم بالنفس والأصوات المقطعة، والنظر (¬1) في الثاني. قال أبو الحسين "هو المنتظم من حروف مسموعة متميزة متواضع عليها" وزيد فيه صادرة عن قادر واحد. فالنظام (¬2) هو: التأليف المختص بالأجسام فأطلق على الحروف للتشبيه. والمراد بالحروف الزائد على الواحد ظاهرا كان "كقم" أو في الأصل "كق" إذ أصله "قي" نقول في التثنية "قيا" والحد يدخل الكلمة في الكلام. والنحاة تخالف الاصوليين فيه وتخرج "ياء النسبة ولام التعريف" عنه مع أنهما (¬3) كلمة وكل كلمة كلام. فالأولى أن يقال: المنطوق به الدال على معنى بالاصطلاح إن لم يكن جملة مفيدة فهو
الكلمة، وإن كان فهو الكلام وربما زيد فيه أو نقص فلا يبقى معه كلاما.
والجملة المفيدة إن تركبت من جملتين فهي الشرطية نحو: "إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود" وإلا فهي الاسمية نحو: "زيد قائم" أو الفعلية نحو: "قام زيد".
تنبيه: النداء جملة مفيدة وفي كونها من الأقسام بحث. PageV01P193
المسألة الثانية
دلالة الألفاظ لو كانت لذواتها لما اختلفت بالأمم ولاهتدى إليها كل عاقل.
وخالف عباد (¬1) بن سليمان محتجا بأنه لو لم يناسب الاسم معناه (¬2) لترجح الجائز بلا مرجح.
وجوابه: إن التخصيص من الله تعالى كتخصيص إيجاد العالم بوقت معين، ومن الناس كتخصيص الأعلام بالأشخاص.
ثم إن كان وضع الكل من الله تعالى وهو مذهب الأشعري وابن فورك (¬3) سمي توقيفيا. وإن كان من الناس وهو مذهب أبي هاشم (¬4) وأتباعه سمي اصطلاحيا. وقيل: في ابتداء اللغات لابد من اصطلاح (¬5) دون الباقي (¬6) وقيل: بالعكس وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق (¬7). PageV01P194
وتوقف (¬1) جمهور المحققين في الكل، لأنه يمكن أن يخلق الله تعالى فيهم علما ضروريا بأن هذه الألفاظ وضعت لهذه المعاني. وبأن يضع الواحد اللفظ للمعنى ويعرفه غيره بإيماء أو إشارة ويساعده غيره عليه كتعليم الوالد لغته ولده. ولا جزم بواحد لضعف دليله فوجب التوقف.
حجة التوقف وجوه:
أ- قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} (¬2) دل أن الأسماء توقيفية فكذا الأفعال والحروف. لأنه لا قائل بالفرق، ولأن التكلم بها وحدها متعذر، ولأنها إنما سميت أسماء (¬3) لكونها علامة على معانيها.
ب- قوله تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها} (¬4). وإنما يصح الذم لو كان غيرها من الأسماء توقيفيا.
ج- قوله تعالى.: {واختلاف ألسنتكم} (¬5) وليس المراد اختلاف تأليفاتها لأنه في غير الألسن أبلغ بل اختلاف لغاتها.
فى- إنه لا بد في الاصطلاح من تعريف الغير ما في الضمير بطريق يدل لا بالاصطلاح لئلا يتسلسل، بل بالتوفيق. وبه تمسك الأستاذ لكنه قال هذا في الابتداء، أما في الدوام فقد يحصل اصطلاح، بل هو معلوم الوقوع. PageV01P195
ه (¬1) - الاصطلاح يرفع الأمان عن الشرع (¬2) لجواز تبدل اللغات.
حجة الاصطلاح وجهان:
أ- قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (¬3) دل على تقدم اللغة على البعثة المتوقف عليها التوقيف.
ب- حصول التوقيف إما بخلق (¬4) الله تعالى علما ضروريا بوضعه هذه الألفاظ إما في غير عاقل وهو بعيد جدا أو في عاقل، وأنه يتضمن العلم به تعالى فيكون ضروريا وأنه ينافي التكليف بمعرفته وإما بطريق آخر ولا يتسلسل بل ينتهي إلى الاصطلاح.