النظر الثالث في المأمور به وفيه مسائل
" النظر الثالث " في المأمور به وفيه مسائل
"
المسألة الأولى
" (¬1)
يجوز تكليف ما لا يطاق خلافا للمعتزلة والغزالي.
لنا وجوه:
الأول: الكافر مأمور بالإيمان وهو منه محال لإفضائه (¬2) إلى انقلاب علم الله جهلا.
لا يقال: لو فرض الإيمان بدلا عن الكفر كان العلم (¬3) أزلا متعلقا به دون الكفر فلم يلزم محال. ثم لو وجب كل ما علم الله تعالى وجوده وامتنع كل ما علم عدمه لزم أن يكون العلم (¬4) التابع للمعلوم مؤثرا فيه. وأن يكون العلم قدرة. إذ لا معنى لها سوى الصفة المؤثرة. وأن لا يكون لنا اختيار وأن يكون العالم غنيا عن المؤثر وأن لا يقدر الله تعالى على إيجاد شيء. ثم النزاع في PageV01P316 # الممتنع لذاته لا للعلم ثم ما ذكرتم يقتضي كون كل تكليف تكليف ما لا يطاق ولم يقل به أحد. ثم هو معارض بوجوه:
أ - قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (¬1). وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (¬2).
ب - إن تكليف العاجز عبث وهو على الله تعالى محال.
ج - المحال لا يتصور، إذ المتصور متميز، والمتميز ثابت. وما لا يتصور لم يكن إليه إشارة. والمأمور به إليه إشارة.
د - لو جاز ذلك جاز أمر الجماد.
لأنا نجيب عن:
أ (¬3) - بأن علمه لما تعلق بعدم الإيمان أزلا فلولا حصول متعلقه انقلب العلم جهلا في الماضي.
ولقائل أن يقول (¬4): لا ينقلب (¬5) العلم جهلا بل يكون تعلقه (¬6) أزلا بالإيمان، بدلا عن تعلقه بعدمه. وهذا (¬7) لازم لتلازم عدم الإيمان مع تعلق العلم به أزلا.
ب، ج - أنه لا يلزم من وجوب الشيء عند العلم كونه أثرا له.
د - بمنع استحالته.
ه، و- أن العلم تبع الوقوع التابع للقدرة فلم يمنع منها (¬8). PageV01P317
ز - أن العلم بعدم الإيمان لما نافى الإيمان، كان الأمر به زمان ذلك العلم أمرا بالجمع بين المتنافيين.
ج - أنا نقول به.
وعن المعارضة الأولى: بقوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} (¬1). ثم ظواهر النقل لا يعارض القواطع بل تؤول وإن لم نعلم عين التأويل.
ب - أنه إن عنى بالعبث الخالي عن المصلحة منعنا استحالته.
ج - أن الحكم عليه بالامتناع يستدعي تصوره ولأنا نميز بين الجمع بين الضدين وبين قولنا الواحد نصف الاثنين.
د - أن الأمر إعلام (¬2) وهو في الجماد ممتنع.
الثاني (¬3): إنه تعالى أخبر (¬4) عن عدم إيمان قوم فاستحالة الإيمان منهم لما سبق.
الثالث: أمر أبا لهب (¬5) بالإيمان. ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه. ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن فقد أمر بأنه لا يؤمن وهو جمع بين الضدين (¬6).
ولقائل أن يقول (¬7): لو سلم أن تصديق الله في كل ما أخبر عنه PageV01P318 # من الإيمان لم يلزم منه أمره بتصديق هذا الخبر عينا إذ ما هو من الإيمان من التصديق يجب أن يكون جمليا.
الرابع: دليل الجبر (¬1) المذكور في مسألة الحسن والقبح.
الخامس: الأمر إما حال استواء الداعي إلى الفعل والترك والفعل فيها ممتنع.
وأما حال رجحان الداعي إلى أحدهما، والراجح فيها واجب والمرجوح ممتنع لما مر في الرابع.
السادس: أفعال العبد مخلوقة لله تعالى إذ لو كانت مخلوقة له لكان عالما بتفاصيلها وليس كذلك وهذا مقرر في الكلام (¬2) فلا قدرة للعبد على أفعاله.