الفصل الأول في المفتي
الكلام في المفتي والمستفتي
وفيه فصول
" الفصل الأول" في المفتي PageV02P299 # "
المسألة الأولى
"
إذا أفتى مرة في واقعة بعد الاجتهاد، ثم سئل عنها أخرى وهو ذاكر لطريق اجتهاده أفتى وإلا استأنف الاجتهاد، فإن أدى اجتهاده إلى خلافه أفتى بموجبه، والأحسن إعلام المستفتي أولا بذلك، كما فعله ابن مسعود (¬1) لئلا يبقى عملهم بغير موجب، وربما قيل: إنه إذا ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، إذ العمل بالظن واجب.
"
المسألة الثانية
"
اختلفوا في فتوى غير المجتهد بحكاية قول الغير. فنقول: ذلك الغير إن كان ميتا لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول لبيت لانعقاد الإجماع على خلافه، وإنما صنفت كتب الفقه لمعرفة المتفق والمختلف واستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم.
وربما قيل: إذا كان المجتهد ثقة عالما والحاكي ثقة فاهما معنى كلامه حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه والظن حجة، وأيضا انعقد الإجماع في زماننا على هذا (¬2)، إذ لا مجتهد فيه وإن كان حيا وسمع منه مشافهة فله العمل به ولغيره بقوله، إذ يجوز للمرأة أن تعمل في حيضها ينقل زوجها عن المفتي، ورجع علي (¬3) إلى حكاية المقداد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن المذي (¬4)، وإن رجع إلى كتاب موثوق به جاز أيضا. PageV02P301
الفصل الثاني في المستفتي
" الفصل الثاني " في المستفتي
مسألة
يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشرع خلافا لمعتزلة بغداد، وفرق الجبائي بين مسائل الاجتهاد (¬1) وغيرها.
لنا وجهان:
أ- الإجماع قبل حدوث المخالف، فإن العلماء في كل عصر لا ينكرون على العامة الاقتصار على أقاويلهم.
ب - العامي إذا حدث له حادثة مأمور بشيء إجماعا، وليس هو التمسك بالبراءة الأصلية إجماعا. ولا الاستدلال بأدلة سمعية لأنه لا يلزم تحصيلها حين بلوغه، إذ الصحابة لم يلزموا أحدا بها وتحصيلها يمنعهم من الاشتغال بمعايشهم ولا حين حدوث الواقعة، إذ اكتساب صفة الاجتهاد في ذلك الوقت غير مقدور فهو التقليد.
واعلم أن المانعين من التقليد يمنعون الإجماع وخبر الواحد والقياس والتمسك بالظواهر ويقولون: حكم العقل في المنافع الإباحة وفي المضار الحظر، وإنما يترك هذا الأصل لنص قاطع المتن والدلالة والعامي إن كان ذكيا عرف حكم العقل (¬2) وإلا نبه المفتي عليه (¬3). PageV02P302
ثم إن وجد في الواقعة نص قاطع على المتن والدلالة يخالف حكمه حكم العقل نبهه المفتي عليه.
ولا يقال: معرفة ذلك يمنعه من المعاش (¬1)، ثم الوجهان منقوضان بالتكليف بمعرفة أدلة الأصول، ولا يجاب بأن الواجب معرفة أدلة النبوة والتوحيد جملة، وأنها سهلة وفي الفروع يحتاج إلى علوم كثيرة وتبحر (¬2) شديد، لأنه لا فرق بين المباحث الإجمالية والتفصيلية، لأنه إن علم جميع مقدمات الدليل حصل العلم النظري، وإن لم يعلم بعضها بل قبله تقليدا كان (¬3) مقلدا في النتيجة، مثلا دليل أن للعالم صانعا مختارا مركب من أن للحوادث مؤثرا، وليس هو الموجب فهو المختار، والأول يعلمه العوام دون الثاني، فقطعه أن للعالم صانعا مختارا تقليد. وكذا في دليل النبوة، ثم تحصيل تلك الأدلة تفصيلا صعب فإن جاز التقليد في أحدهما جاز في الآخر وإلا فلا.
احتجوا (¬4) بوجوه:
أ - قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (¬5).