الفصل السادس في البحث عن الحكم والأصل والفرع
" الفصل السادس" (¬1) في البحث عن الحكم والأصل والفرع
القسم الأول الحكم
"
المسألة الأولى
"
أكثر المتكلمين على صحة القياس في العقليات ومنه قياس الغائب على الشاهد. وقالوا لابد من جامع وهو إما العلة، كقولنا: العلم شاهدا علة العالمية فكذا غائبا، أو الحد كقولنا: حد العالم شاهدا من له العلم أو الشرط كقولنا: العلم شرطه الحياة شاهدا. أو الدليل كقولنا الأحكام شاهدا دليل العلم. والجمع بالعلة أقوى فيقول فيه إنه متى علم أن حكم الأصل معلل بعلة، وعلم وجودها بتمامها في الفرع أي مستجمعة لما لا بد منه في المؤثرية (¬2)، حصل علم بثبوت ذلك الحكم فيه، لأنها لما حصلت (¬3) أثرت في الحكم في الأصل، فلو لم تؤثر في الفرع لزم الترجيح من غير مرجح، ولا معنى لكون القياس العقلي حجة إلا ذلك.
نعم تحصيل العلمين (¬4) صعب، فإنه لا بد من امتياز ما في الأصل عما في الفرع، فلعل ما به الامتياز جزء (¬5) العلة أو شرطها أو مانع من الحكم. PageV02P238
ولهم في تعين العلة طرق:
أ- التقسيم المنتشر ويستدلون على نفي قسم آخر بعدم الوجدان بعد الطلب الشديد، كالمبصر إذا نظر بالنهار في جميع جوانب الدار فلم يبصر شيئا، فإنه يجزم بعدمه وهو ضعيف إذ رب موجود لم يجده.
والقياس على المبصر لو كان له جامع إثبات القياس بالقياس.
ب - الدوران: أما الخارجي فلا يفيد العلم وأما الذهني كقولنا: متى عرفنا كون الخطاب أمرا بالمحال عرفنا قبحه، ومتى لم يعرف كونه أمرا بالمحال لم يعرف قبحه .. وذلك يفيد الجزم بالعلية فضعيف لأنهم مطالبون بالبرهان على المقدمتين، ولم نر المتكلمين فعلوه.
ثم إنه منقوض بأنا متى عرفنا كون هذا أبا لذلك عرفنا كون ذلك إبنا لهذا وبالعكس ومتى لا فلا. مع أن أحدهما ليس علة للآخر لأن المضافين معا. وأيضا لا نسلم أنا متى لم نعرف كونه أمرا بالمحال لم نعرف قبحه فلعل له صفة أخرى لو عرفناها لعرفنا قبحه.
واعلم أن هذا (¬1) الكلام مأخوذ من الفلاسفة، فإنهم يقولون العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، ولا يلزم العلم بالمعلول إلا من العلم بعلته وقد بين ضعفهما في الكتب العقلية.
"