الخامس: القياس (¬7) يفيد ظن الضرر. فإن من ظن أن حكم الأصل معلل بوصف موجود في الفرع، ظن أن حكمه كحكمه، وهو يعلم أن مخالفة حكم الله تعالى توجب العقاب، فيظن أن مخالفة هذا توجب العقاب، فوجب العمل به, لأن ترجيح الراجح على المرجوح متعين في بداية العقول. PageV02P177
فإن قيل: هذا ينتقض بظن صدق الشاهد قبل استكمال (¬1) العدد، وبظهور المصالح المرسلة وبظن صدق مدعي النبوة، وبظن اليهودي قبح الأعمال الشرعية ولو امتنع الظن فيها (¬2) لدلالة شرعية على فساد تلك (¬3) المظان، لصار عدم الدلالة على فساد المظنة جزءا من المقتضى للظن، فلا يفيد القياس الظن، إلا إذا تبين انتفاء الدلالة على فساده، ثم إنما يجب الاحتراز عن الضرر المظنون إذا لم يمكن تحصيل علم أو ظن أقوى به، فلم قلتم إنه لا يمكن تحصيل العلم أو الظن الأقوى بالأحكام (¬4) لا من الكتاب والسنة ولا من الإمام المعصوم. ثم ما ذكرتم معارض بقوله تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} (¬5). وقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (¬6). وقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (¬7). وقوله تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (¬8). وقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (¬9) والأقوى (¬10) قوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} (¬11) وقوله عليه السلام: "تعمل هذه الأمة (¬12) برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" (¬13) وقوله عليه PageV02P178 # السلام: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحلون الحرام" (¬1). الخبر يفيد ظن الضرر في التمسك بالقياس فيجب الاحتراز عنه لما ذكرتم.
وبإجماع الصحابة إذ ذم بعضهم القياس ولم ينكر أحد، وبإجماع العترة، وبأن العمل (¬2) بالقياس يوجب الاختلاف, لأنه تمسك بالأمارات، وهو منهي عنه بقوله تعالى: {ولا تنازعوا} (¬3) وبأن الرجل لو قال: أعتقت غانما لسواده فقيسوا عليه لم يعتق سائر عبيدة السود.
واحتج النظام على مذهبه بأن مدار شرعنا على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات، فإنه فرق بين الأزمنة وبين الأمكنة في الشرف مع الاستواء في الحقيقة، وجمع بين الماء والتراب في الطهورية مع الاختلاف في الغسل والتنظيف وفرض الغسل من المني والرجيع أنتن (¬4). ونهى عن إرسال السبع على مثله وأقوى منه، وأباحه على البهيمة الضعيفة، وجوز للمسافر قصر الأربع دون الاثنتين (¬5)، وأوجب قضاء الصوم على الحائض والصلاة أعظم قدرا، وجعل الحرة الشوهاء تحصن ويحرم النظر إليها دون الجواري الحسان، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد من قذف بالزنا دون من قذف بالكفر، وقبل شاهدين في القتل والكفر دون الزنا، وجلد قاذف الحر الفاجر دون العبد العفيف، وفرق بين الموت والطلاق في العدة وبين الحرة والأمة في الاستبراء، وأوجب بخروج الريح غسل غير ذلك المخرج (¬6)، إذا ثبت هذا وجب أن لا يصح القياس, لأن مبناه على أن الصورتين لما اشتركتا في الحكمة وجب اشتراكهما في الحكم وهو باطل. PageV02P179
واحتج من عم المنع وزعم أنه لا يفيد الظن: بأن البراءة الأصلية معلومة، فالقياس إن وافقها فلا فائدة فيه، وإن خالفها كان الظني معارضا لليقيني. وبأن القياس يتوقف على استصحاب ما كان، فالحكم المثبت بالقياس إن كان نفيا كفى فيه الاستصحاب الذي هو أصل القياس. وإن كان إثباتا كان الاستصحاب نافيا (¬1) له. وأنه أصل القياس فترجح عليه، وبأنه متوقف على تعليل أحكام الله تعالى وسيأتي بطلانه.