"
المسألة الثانية
"
قال الفقهاء: الأصل في قياس الذرة على البر هو البر، وهو ضعيف، لأنه لا يتفرع حكم الذرة عليه ما لم يثبت الحكم فيه. وقال المتكلمون: هو النص الدال على الحكم وهو ضعيف. لأنه (¬2) لو علم الحكم في البر بالعقل مثلا أمكن تفريع حكم الذرة عليه، ولو لم يدل النص على الحكم في صورة خاصة لم يمكن تفريعه عليه قياسا، بل الأصل الحكم أو علته، فنقول:
الحكم أصل في محل الوفاق والعلة (¬3) فرع, لأنا إنما نعلل الحكم بعد معرفته، وفي محل الخلاف بالعكس, لأنا نعرف العلة فيه ثم يفرع الحكم عليها، وإنما سمى الفقهاء محل الحكم أصلا, لأنه (¬4) أصله. وأصل الأصل أصل وكذا تسمية المتكلمين النص أصلا. ثم تسمية العلة في محل الخلاف أصلا أولى من تسمية محل الحكم في محل الوفاق أصلا, لأن العلة مؤثرة
دون المحل.
والفرع عندنا: الحكم المطلوب بالقياس، وعند الفقهاء: محله ثم تسمية محل الوفاق بالأصل أولى من تسمية محل الخلاف بالفرع, لأنه أصل الأصل، وهذا أصل الفرع، ولنساعد الفقهاء في تسمية محل الوفاق بالأصل ومحل الخلاف بالفرع. PageV02P157
"
المسألة الثالثة
"
إذا علم علية الوصف (¬1) في الأصل وحصوله في الفرع فهو حجة وفاقا. وإن ظنا أو أحدهما فهو حجة في الأمور الدنيوية وفاقا. وفي الشرعية خلاف ونعني بكونه حجة، وجوب العمل به والفتوى لغيره.
والجمع بين الأصل والفرع بإلغاء الفارق يسميه الغزالي -رحمه الله- تنقيح المناط وباستخراج الجامع تخريج المناط (¬2). PageV02P158
الفصل الثاني في إثبات كونه حجة في الشرعيات
" الفصل الثاني" "في إثبات كونه حجة في الشرعيات"
قيل: العقل يقتضي جواز التعبد به. وقيل: بل المنع منه. ومن الأولين من قال (¬1): وقع ذلك متفقين على أن السمع دل عليه.
ثم قال القفال وأبو الحسين البصري: دل العقل عليه أيضا، وأنكره الباقون منا ومن المعتزلة، ثم زعم أبو الحسين: أن دلالة السمع عليه ظنية، والباقون أنها قطعية. ثم قال القاشاني (¬2) والنهرواني (¬3): لا يعمل (¬4) إلا بقياس هو كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفف، أو نص على علته تصريحا، أو لإيماء (¬5)، ومنهم من قال: لم يقع لأنه ليس في السمع ما يدل عليه (¬6). وقيل: بل لأن الكتاب والسنة والإجماع دلت على عدمه. PageV02P159
ومن الآخرين من قال (¬1) خص المنع بشرعنا, لأن مبناه على الجمع بين المختلفات (¬2)، والفرق بين المتماثلات وهو قول النظام.
ومنهم من عم المنع زاعما أنه لا يفيد علما ولا ظنا. وقيل يفيد الظن، لكنه لا يجوز العمل به لأنه قد يخطئ. وقيل (¬3) يجوز العمل بالظن، لكن حيث يتعذر النص كالقيم والأروش (¬4) والفتوى والشهادات إذ لا نهاية لها, ولا يتعذر النص على هذه الأحكام، فالاكتفاء بالقياس اقتصار على الأدنى مع القدرة على الأعلى. والمختار وهو قول جمهور علماء الصحابة والتابعين أنه
حجة.
لنا وجوه: الأول. قوله تعالى: {فاعتبروا} (¬5) والاعتبار من العبور، يقال عبرت عليه وعبر النهر والمعبر لما يعبر عليه، والمعبر ما يعبر فيه (¬6)، والعبرة: الدمعة، وعبر الرؤيا: أي جاوز عنها إلى ما يلازمها. والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع. فإن قيل: الاعتبار: الاتعاظ إذ لا يقال لمن استعمل القياس العقلي (¬7) معتبر، ويقال لمن استعمل القياس الشرعي ولم يتفكر في أمر معاده أنه غير معتبر.