بسم الله الرحمن الرحيم (قال الشيخ الإمام العالم العامل الورع الزاهد الحافظ محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن حزام النووي رحمه الله) . الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير خلقه وعلى سائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه. أما بعد. فإنه ينبغي لكل أحد أن يتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي بأقواله وأفعاله وتقريره في الأحكام والآداب وسائر معالم الإسلام وأن يعتمد في ذلك ما صح ويجتنب ما ضعف ولا يغتر بمخالفي السنن الصحيحة ولا يقلد معتمدي الأحاديث الضعيفة فإن الله سبحانه وتعالى قال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) . فهذه الآيات وما في معناهن حث على اتباعه صلى الله عليه وسلم ونهانا عن الابتداع والاختراع، وأمرنا الله سبحانه وتعالى عند التنازع بالرجوع إلى الله والرسول أي الكتاب والسنة، وهذا كله في سنة صحت، أما ما لم تصح فكيف تكون سنة، وكيف يحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله أو فعله من غير مسوغ لذلك، ولا تغترن بكثرة المتساهلين
في العمل، والاحتجاج في الأحكام بالأحاديث الضعيفة وإن كانوا مصنفين وأئمة في الفقه وغيره، وقد أكثروا من ذلك في كتبهم، ولو سئلوا عن ذلك لأجابوا بأنه لا يعتمد في ذلك الضعيف، وإنما أباح العلماء [العمل بالضعيف في القصص وفضائل الأعمال التي ليست فيها مخالفة لما تقرر في أصول الشرع مثل: فضل التسبيح، وسائر الأذكار، والحث على مكارم الأخلاق، والزهد في الدنيا، وغير ذلك مما أصوله معلومة مقررة. وقد استخرت الله الكريم الرؤوف الرحيم في جمع مختصر في الأحكام اعتمد فيه الصحيح والحسن وأفرد الضعيف في أواخر الأبواب تنبيها على ضعفه لئلا يغتر به، واذكر فيه إن شاء الله جملا متكاثرة [1 / أ] هي أصول قواعد الأحكام وأضيفها إلى الكتب المشهورة مصرحا بصحتها وحسنها، وأنبه على بعض خفي معانيها وضبط لفظها، فما كان في صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما اقتصرت على إضافته إليهما أو غليه لحصول المقصود وهو بيان صحته، فإنهما صحيحان بإجماع المسلمين، وما كان في غيرهما ذكرت جماعة ممن رواه من المشهورين كأبي داود، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي وغيرهم من أعلام الحفاظ المصنفين، فما كان في صحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله قلت في آخره: متفق عليه، فإن اتفق لفظهما اقتصرت على " متفق عليه "، وغلا قلت: لفظه لفلان، وإن زاد أحدهما أوغيرهما زيادة فيه نبهت عليها. وما اتفق عليه أبو داود، والترمذي، والنسائي قلت في آخره: " رواه الثلاثة "، وما سوى هذا أصرح بإضافته. واعلم أن سنن أبي داود والترمذي والنسائي فيها الصحيح والحسن والضعيف، لكن ضعفها يسير، ولهذا قال الأئمة: أصول الإسلام من كتب الحديث خمسة:
الصحيحان، وهذه الثلاثة، ولا يخرج عن هذه الخمسة من الصحيح والحسن إلا قليل. وقد صرح الترمذي في أكثر كتبه ببيان الصحيح، والحسن، والضعيف، وأهمل بيان جمل منه. وقال أبو داود، " جمعت في كتابي هذا الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه ضعف شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض ". هذا لفظه، ومقتضاه أن ما أطلقه أبو داود فهو صحيح أو حسن يحتج به، إلا أن يظهر فيه ما يقتضي ضعفه. وقد التزمت في هذا المختصر أن لا أهمل بيان شيء من الأحاديث في الصحة والحسن والضعف. والحسن كالصحيح في جواز الاحتجاج به في الأحكام، وإن كان دونه، وأما الضعيف فأنبه عليه مختصرا جدا. وعلى الله الكريم اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي، حسبي الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته [1 / ب] إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ". " متفق عليه ". رواه البخاري في سبعة مواضع، ومسلم في " الجهاد ".