27 - النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
علم الحديث علم شريف، يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم (¬1)، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا، ومن حرمه، فقد حرم خيرا عظيما، ومن رزقه فقد نال فضلا جزيلا فمن أراده فعليه تقديم تصحيح (¬2) النية، وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية، وليحذر بلية حب الرياسة ورعوناتها (¬3)، نسأل الله الكريم التوفيق لذلك. وقد اختلف (4) في السن المستحب فيه التصدي لإسماع الحديث (¬4)، والصواب أنه متى احتيج PageV01P498 # إلى ما عنده استحب (¬1) له التصدي لنشره في أي سن كان (¬2)، قد (أ) جلس (¬3) مالك بن أنس رحمه الله للناس ابن نيف (ب) وعشرين سنة وقيل ابن سبع عشرة، والناس متوافرون وشيوخه أحياء وجلس الشافعي لذلك وأخذ عنه العلم في سن الحداثة (3). والله أعلم. PageV01P499
وينبغي له (أ) أن يمسك عن التحديث إذا خشى عليه الهرم (1) والخرف (¬1) والتخليط (¬2) ورواية ما ليس من حديثه (¬3)، (وذلك (ب) يختلف باختلاف الناس وهكذا إذا عمى وخاف أن يدخل عليه ما ليس من حديثه.) فليمسك عن الرواية (¬4)، ولا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة (ج) من هو أولى (¬5) منه بذلك. PageV01P500
وقيل (¬1): يكره أن يحدث ببلد فيه من هو أولى منه لسنه أو غير ذلك (1). وينبغي له إذا التمس منه ما يعلمه عند غيره في بلده أو غيره بإسناد أعلى (ب) من إسناده، أو أرجح من وجه أن يعلم الطالب به ويرشد إليه، فإن الدين (¬2) النصيحة. ولا يمتنع من تحدث أحد لكونه غير صحيح النية، فإنه يرجى له حصول النية بعد (¬3). قال معمر: كان يقال PageV01P501 # أن الرجل ليطلب العلم لغير الله تعالى فيأبى عليه العلم حتى يكون لله تعالى (¬1). وليكن حريصا على نشره مبتغيا جزيل أجره (¬2). وكان عروة وغيره من السلف يجمعون الناس على حديثهم (¬3).
فصل: وإذا أراد التحديث فليقتد بالإمام أبي عبد الله مالك رحمه الله تعالى، كان إذا أراد أن يحدث، توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدث، فقيل له، فقال: أحب أن أعظم (¬4) حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل (¬5)، وروى PageV01P502 # عنه إنه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب، وإذا رفع أحد صوته في مجلسه زبره (أ) (¬1). وقال: قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} (¬2). فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنما رفعه فوق صوته صلى (¬3) الله عليه وسلم.
فصل: ويستحب له ما ورد (ب) عن حبيب (¬4) بن أبي ثابت التابعي رحمه الله تعالى، قال: من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعا (¬5) وينبغي أن لا يسرد الحديث سردا لا يدرك السامع بعضه (¬6). PageV01P503
وليفتتح مجلسه وليختمه بالتحميد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاء يليق بالحال (¬1) (أ).
فصل: ويستحب (ب) للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء (ج) الحديث، فإنه أعلى مراتب الرواية لأن الشيخ يعلم ما يملي ويتدبره، والكاتب يتحقق ما يسمعه ويكتبه، وإذا قرأ على الشيخ أو الشيخ عليه لا يؤمن غفلة أحدهما (¬2). وينبغي أن يتخذ مستمليا يبلغ عنه إذا كثر PageV01P504 # الجمع (¬1)، كما كان الحفاظ من المتقدمين (¬2) وغيرهم يفعلونه وليكن مستمليه محصلا متيقظا (¬3)، وليستمل على شيء مرتفع، فإن لم يجد استملى قائما (¬4)، وعليه أن يتبع لفظ المحدث فيبلغه على وجهه (¬5).