الثالثة: اختلفوا في خليط الخليط هل هو خليط أم لا؟ وصورة المسألة أن يكون لرجل أربعون وللآخر أربعون منها، خالط بها صاحب الأربعين، والأربعون الأخرى خالط بها رجل آخر، ففي هذه الصورة رواية مختلفة، الأصح منها أن الجميع خلطا فيزكون شاتين على كل واحد من أصحاب الأربعين نصف، فعليهما شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة، فعلى الثلاثة شاتان على ما ذكرناه وهذه الرواية أعدل الروايات، فلذلك اعتمدنا عليها.
قوله: ((ومن أبدل جنسا من أموال الزكاة بجنسه لم تسقط الزكاة عنه كان بنوعه أو بخلافة)): وهذا كما ذكره، وتحصيل القول فيه: أنه إن أبدل نوعا بنوع مثل: أن يبدل بقرا ببقر وبجواميس أو غنم بمعز أو معز بغنم أو بختا بعراب أو عراب ببخت، فإن أبدلها بماشية من غير جنسها كإبل بغنم أو بعكس، فهل يستقبل بالثانية أو يبني على حول الأولى ففيه قولان عندنا المشهور: الاستقبال بالثانية لاختلاف الجنس، والقول الثاني: البناء على حول الأول ويعد ذلك كالأرباح المعتبرة بحول أصلها.
ولو باع ماشية بعين فهل يستقبل بعين حولا، أو يبني على حول الماشية، فيه قولان الاستقبال نظرا إلى الاختلاف والبناء نظرا إلى أنهما معا من جنس الزكاة. ولو باع ماشية بذهب ثم اشترى بالذهب ماشية، فهل يبني، أو يستقبل فيه قولان أيضا إلا أن يفعل ذلك كله فرارا من الزكاة، واحتيالا على سقوطها عنه، فلا تسقط في جميع الصور إجماعا. PageV01P474
قوله: ((ولا يخرج في الزكاة قيمة)): وهذا كما ذكره تنبيها على مذهب المخالف، لأن أهل العراق أجازوا إخراج القيمة، بناء على أن المقصود الإرفاق وهذا داخل بالعين والقيمة، وعندنا أن المقصود الإرفاق، ولتشريك الفقراء في أعيان ما بأيدي الأغنياء لعدلهم. PageV01P475
باب زكاة الحرث
قال القاضي -رحمه الله-: ((وشرطها النصاب دون الحول)) إلى قوله: ((خمسة أوسق)).
شرح: الأصل في زكاة الحبوب قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} إلى قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} فهذا بيان للوجوب والجنس، إجمال في المقدار، وإذا قلنا: إنه بيان للوجوب تمسكا بصيغة الأمر في محل الإتيان، وإنما قلنا: إنه بيان لجنس الوجهين: الأول: قوله: {معروشات} فبين جنس المزكى. الثاني: قوله {يوم حصاده} فخرجت البقول إذ ليست مما يحصد تنبيها لقوله -عليه السلام-: (ليس فيما دون خمسة أوسق من الحب صدقة) والبقول والخضروات ليست مما يكال. وقد اختلف علماء السلف في الحق المراد في الآية، فقيل: الزكاة بناء على أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وقال كثير من الصحابة ومن بعدهم: الحق المشار إليه هو (المواساة) منه والإحسان للقاصد إليه. PageV01P476
واختلف العلماء في الحبوب والثمار هل يشترط فيها النصاب أم لا؟ فقال الجمهور باشتراط النصاب فيها لمقتضى نص قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس فيما دون الخمسة أوسق الزكاة). وقال أبو حنيفة: لا يشترط النصاب في الحبوب لعموم قوله -عليه السلام-: (فيما سقت السماء العشر) وضعفه الجمهور لأن المقصود منه بيان المقدار المخرج، لا بيان القدر المخرج منه مع أنه عام والخاص يقضي على العام، ولم يشترط فيه الحول لقوله سبحانه: {وآتوا حقه يوم حصاده}.
قوله: ((وهي واجبة في المقتاة وما يجري مجراه)): هذا هو أصل المذهب، وقد اختلفت الروايات فيه عندنا، فقال ابن الماجشون: الزكاة واجبة في كل شيء كالرمان والتفاح والسفرجل، والرواية الثانية: أنها تجب في كل مقتاة، متخذ للعيش غالبا، والرواية الثالثة: أنها تجب في كل ما يخرج من الحبوب. والرواية الرابعة: أنها تجب في كل مقتاة، وإن لم يكن أصلا للعيش كالتين ونحوه. قال ابن حبيب: يزكي بالأندلس، لأنها عندهم قوت، واختلف في زريعة العصفر، فقيل: يزكى، وقيل: لا زكاة فيه، وقيل: إن أكثر زيتها وجبت فيه الزكاة، وإن قل لم تجب، وكذلك اختلفوا PageV01P477 # فيما لا يزبب من العنب وفيما لا يخرج زيتا من الزيتون، وفيما لا يصير ثمرا في النخل هل في ذلك كله زكاة أم لا؟، وفيه قولان عندنا: وجوب الزكاة وإسقاطها، وقد روي عن مالك في كتاب محمد إسقاطه في القطاني وكذلك اختلفت الرواية في حب الفجل والكتان هل فيه زكاة أم لا؟. وكل ذلك نظر في تنقيح مناط الحكم، لأن الشارع صلوات الله عليه قصد نص على التمر تنبيها به على مقتضى العلة الذي علق الشرع الحكم عليها وهي الاقتيات الغالب، إذ كان التمر غالبا القوت بالحجاز، ثم تعلق أصحابنا بما ذكرناه من لفظ ((الحصاد)) والحب والكيل، وكل ذلك غير مطرد في البقول.