الأول: إذا أجزنا إمامة الجالس المريض للمريض الجالس أيضا فصح المأمون في أثناء الصلاة، ففيها ثلاثة أقوال في المذهب.
أحدهما: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في أثناء الصلاة.
الثاني: أنه يتم الصلاة وراءه قائما مراعاة لجوازه ابتداء على قول بعض أهل العلم.
الثالث: أنه يتم لنفسه منفردا.
الفرع الثاني: لو كانت العلة في الإمام قطع جارحة من أعضاء محدودة كقطع اليد، كانت إمامة جائزة على الأشهر، وفي رواية ابن وهب ما يدل على أن إمامته باطلة لقوله-عليه السلام-: (أمرت أن أسجد على سبعة آراب) الحديث، وأما ما يمنع القراءة فهو قسمان إما أن يمنع وجودها، أو كمالها، فالأول: لا يؤمن. والثاني: كالألكن واللحان. أما الألكن PageV01P366 # ففي إمامته قولان: أحدهما: أنها صحيحة، وهو المشهور. والثاني: أنها باطلة، لأن اللكنة مانعة من النطق بالحروف، وكذلك اختلفوا في إمامة اللحان على أربعة أقوال، فقيل: لا تصح أصلا، وقيل: إنها جائزة، والقول الثالث: أنه إن غير المعنى فإمامته باطلة، وإلا فلا. وقد روى عن الشيخين أبي محمد وأبي الحسن من لم يفرق بين الظاء والضاد فلا تجوز إمامته، لأن اللحن كالتبديل. وأما النقص الراجع إلى الفسق، فإما أن يكون فاسقا بالاعتقاد أو بالجوارح، فالأول: إما أن يوجب التكفير أم لا، فإن أوجب التكفير فإمامته باطلة، والصلاة وراءه غير جائزة، ولو صلى الناس وراءه غير عالمين بكفره، ثم استمر على إظهار الإسلام، وجبت إعادة جميع ما صلى خلفه ما لم يلفظ بالكلمة، ويتحقق له أحكام الإسلام، وقد روى سحنون فيمن لم يستمر بكفره ذلك وعلم على إسلامه، فإن تمادى ترك، وإن لم يتمادى فهي ردة، ونزل الصلاة منزلة التلفظ بالشهادة لقوله -عليه السلام-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة) الحديث. وعلى هذا الاختلاف اختلفوا في إيجاب الإعادة على من صلى خلفه، وإن لم يوجب التكفير، PageV01P367 # كاعتقاد المعتزلة والخوارج وغيرهم، ففي المذهب ثلاثة أقوال في صلاة من ائتم بهم، أحدها: الإعادة مطلقا بناء على تكفيرهم وهذا أحد قولي القاضي والشافعي ومالك فيهم. والثاني: الإعادة في الوقت بناء على نقصهم في الفسق، الثالث: نفي الإعادة مطلقا، ولعله بناء على كل مصل يصلي لنفسه. قال مالك: ولا يصلي خلف الإمام القدري إلا أن تخاف على نفسك فصل معه. قال ابن القاسم: ورأيت مالكا إذا قيل له في إعادة صلاة من صلى خلف أهل البدع يقف ولا يجيب عن ذلك وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من الخلاف. فأما بالجوارح كشرب الخمر، والزنا، وغير ذلك من أصحاب الكبائر، فقد اختلف المذهب في جواز إمامتهم، والمشهور أنها لا تجوز. ومن صلى وراء صاحب كبيرة منهم أعاد أبدا إذا علم بذلك منه، والشاذ أنها جائزة، وصلاة من صلى وراءه صحيحة، لأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة ولو تعلق فسقه بأحكام الصلاة، مثل أن يعلم من حاله أنه يصلي بغير طهارة، فلا خلاف أنه متهاون لا تجوز إمامته، واحتج أهل الظاهر على جواز إمامة الفاسق بعموم قوله -عليه السلام-: (يؤم القوم أقرؤهم) وهذا احتجاج بالعموم في غير مقصوده. واختار الشيخ أبو بكر الأبهري أن فسقه (إن كان) مقطوعا به أعاد المصلي وراءه أبدا، وإن كان مظنونا أعاد في الوقت، وأجاز قول الفاسق بالتأويل كالجميع بشرب النبيذ دون الفاسق غير المتأول. PageV01P368