قال ابن القاسم: من وهب لابنه الصغير دنانير فصاغها حليا فليس له أن يعتصرها، لأنه أحالها عن حالها، ولو كان أرضا فغرسها أو بناها، كان ذلك فوتا، وكذلك إذا كانت دارا فانهدمت إلا أن يعتصر العرصة وحدها، فله ذلك ولو هبه زيتا أو قمحا ونحو ذلك مما لا يعرف بعينه، فاختلط كان ذلك فوتا يمنع الاعتصار وقيل: ليس بفوت. PageV02P1419
كتاب الوصايا والمواريث والفرائض
قال القاضي -رحمه الله-: "
كتاب الوصايا والمواريث والفرائض
، الوصية مندوب إليها، وفيها احتياط للدين".
شرح: الأصل في الوصية قوله -عز وجل-: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180]، وقال تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11]. قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبين ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة). وقد اختلف الفقهاء في حك الوصية، فقال الجمهور: هي مستحبة. وقال أهل الظاهر: هي واجبة لمن عليه أو له حق، تمسكا بظاهر لفظ الخبر والصحيح أنها مندوب إليها، لما فيها من التحرز والاحتياط، إذ الإنسان لا يدري متى يأتيه أجله وقسمها الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى أقسام الشريعة الخمسة: واجبة PageV02P1421 # ومحظورة، ومندوب إليها، ومكروهة، ومباحة، فتجب بما قبله من حقوق الله سبحانه مما فرط فيه من زكاة أو كفارة واجبة بيمين أو عتق أو بما قبله من حقوق الآدميين من المعاملات (والمعاوضات) وغير ذلك إذا لم يتقدم الإشهاد على ذلك في حال الصحة، وإن كانت الوصية تقتضي معصية أو حثا على قطيعة رحم أو نحو ذلك فهي محظورة.
وسمعت بعض شيوخنا يحكي عن بعض السفهاء الجهلة في الحقيقة من الأعيان أنه أوصى إذا مات أن ترجم السماء بالحجارة ونحو ذلك أن يوصي بالنياحة وغير ذلك من شئون الجاهلية، فإن اقتضت الوصية صدقة أو نوعا من أنواع الطاعات كانت مستحبة مندوبا إليها إذا كان ذلك لا يضر بالورثة، فإن كان المال قليلا، وكان الذي يرجى من فضل تركه للورثة لما علم من (سوء) حالهم أحسن ما يرجى من الوصية به كانت الوصية بالمال مكروهة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنك إن تذكر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) الحديث فإن كان الورثة مياسر لم يكن في الوصية كراهة، فإن تقارب الحال كانت مباحة، وذلك إذا لم تقتض طاعة ولا معصية ولا مضرة على الورثة، وفي قسم المكروه منها أن تكون له قرابة فقراء فأوصى لأجنبي مع وجود القرابة الفقراء، وفي قسم المكروه منها أن تكون قرابة فقراء فأوصى لأجنبي مع وجود القرابة الفقراء، فلا خلاف إن جعلها في الأجنبي أنها مكروهة مع وجود القرابة. PageV02P1422
قوله: "وفيها احتياط للدين": يعني أن بها التخلص من الحقوق التي عليه من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وبعضهم (يرويه) للمدين هو تصحيف.
قوله: "وللموصي في ماله الثلث": لا تجوز الزيادة عليه إلا بإذن الورثة، لقوله -صلى الله عليه وسلم- حديث سعد: (الثلث والثلث كبير). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله أعطاكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم).
فإن أذن بعض الورثة في الزيادة على الثلث، ومنع بعضهم منه جاز ذلك في حق من أجازه وامتنع في حق من منعه، لأنها حقوق لهم فمن شاء طلبها، ومن شاء تركها ولا تجوز الوصية للوارث لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله -عز وجل- قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث). فإن أجازها الوارث مضت عند الجمهور خلافا لمن منع ذلك نظرا إلى أنها وقعت فاسدة ي الأصل، وعندنا أن وقوعها بصفة الوقف على خيار الورثة لا لصفة الفساد وإذا وقعت الوصية للوارث والأجنبي وقعت المحاصة فيرد من ذلك من ناب الوارث إذا رده الورثة، ويمضي ما ناب الأجنبي، ومن لا وارث له كمن له وارث لا يتعدى الثلث عند جمهور أهل العلم، من أهل العمل من قال له الوصية بجميع ماله وهو قول أبي حنيفة. PageV02P1423