قوله: "ولا يكون جر الولاء فيمن مسه رق" ومثله القاضي في المعونة فقال: "مثل أن يتزوح عبد أمته فتحمل ثم تعتق، فإن الولد يكون حرا بحرية أمه، وهو حمل وولاؤه لموالي أمه وهم مواليه، لأن عتقه ثبت من جهتهم، فإن عتق العبد لم يجر ولاء الولد، لأن ولاءه قد ثبت لمن أعتق أمه، فلا يجوز نقله كالنسب، ثم تكلم على ولد الملاعنة، فإن كانت عربية فلا ولاء على ولدها. إذ هي حرة محضة لا سبيل إلى سريان الرق إليها، وإن كان معتقه فولاء ولدها لموالي أمه، لأن نسبه قد انقطع عن أبيه، فإذا أكذب الأب نفسه وجب عليه الحد، وعاد الولاء (إليه أو) إلى مواليه.
قوله: "ولا ولاء لا مرأة إلا في ثلاثة مواضع" وهذا كما ذكره، وهو مذهب جمهور العلماء من الإسلام أن لا ولاء لا مرأة، وهذه المواضع الثلاثة ظاهرة أولها: ولاء من باشرت عتقه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الولاء لمن أعتق). والثاني: ما يعتقه معتقها مثل أن تعتق عبدا فيعتق هذا العبد عبدا ويموت الموت المعتق الأول فولاء الثاني لها، لأنه كان لمعتقها الذي مات فانجره السيد إليها. والصورة الثالثة: أن يتزوج عبدها أمة فيولد له ولد، ثم تعتقه أو يتزوج بعد عتقه فيكون لها الولاء إما ابتداء وإما جرا. وهذا من المواضع المشكلة التي جرت العادة في المذكرات بالكلام فيه، وتبين مفهومه، وذلك أنه إذا تزوج PageV02P1339 # عبدها أمة لغيره فتلد ولدا جرت الأمة ولاء الولد (لمواليها ما دام الأب) رقا، فإن أعتق والده قبل عتق الولد كان ولاء لسادات العبد ابتداء، فإن أعتق الولد قبل عتق الوالد، كان ولاء الولد لموالي الأم، فإن عتق بعد ذلك الولد، ثم مات الوالد جر والده لمواليه، فكان الولاء لها جرا.
فصل
"الكتابة جائزة ولا يجبر السيد عليها إن طلبها العبد"
.
شرح: الأصل في الكتابة قول الله - عز وجل -: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33]. أمر السادات بمكاتبة عبيدهم بشرط أن يعملوا فيهم خيرا. وقد اختلف الفقهاء في أصلين: الأول: في مقتضى هذا الأمر. والثاني: في تعين الخبر المشار إليه في الآية. أما الأمر فالجمهور أنه على الندب والاستحباب، وقيل: مقتضاه الإباحة والتخيير. وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك يقولون قول الله - عز وجل -: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] وقوله: {فإذا قضيت الصلوة فانتشروا} الآية: {الجمعة: 10}، وهذا يدل على أنه محمول على الإباحة. وحكى ابن القصار أنها مستحبة، ولا شك أنها خارجة عن قواعد الشرع، فإن فيها بيع الملك بالملك، لأن العبد ماله المحقق والمترقب ملك لسيده، وإنما يجعلها ابن القصار وغيره من أشياخنا من قسم المستحبات ولأنها من ناحية العتق وقسمها بعض أشياخنا إلى أقسام مندوب إليها ومباحة ومكروهة وممنوعة، وذلك راجع إلى حال العبد في الدين والقدرة على الكسب من وجه مرضي أو مكروه، وقد يجب في بعض المواضع بحسب PageV02P1340 # القرائن على تقرر في الشريعة من رعاية المصالح، وأما الخبر الموجود قيدا في الآية، فقيل: هو القدرة على الكسب؛ قاله مالك وقيل: هو الدين (وقيل: هو المال) وقيل: هما جميعا، وهو الصواب. وأجاز مالك كتابة من لا حرفة له من الرجال، ولا تجوز مكاتبة الأمة التي لا تحسن الصناعة لما يخاف من استسعائها بفرجها، ولا يجبر عليها السيد عندنا خلافا لداود وأهل الظاهر اعتمادا على ظاهر الأمر، وإذا طلبها السيد، وأبي العبد فهل يجبر على ذلك أم لا؟ قولان في المذهب، الأصح أن السيد يجبره على ذلك بمثابة إخراجه أو أكثر يسيرا، فإن كاتبه على ما يعلم أنه لا يقدر عليه فلا جبر في هذه الصورة بلا خلاف، وتجوز بالقليل والكثير إذا تراضيا عليه، وتجوز الكتابة بالغر مثل: أن يكاتبه على بعير له شارد أو عبد آبق، أو ثمرة لم يبد صلاحها، لأن له انتزاع ذلك من غير كتابة، وكرهه أشهب، فإن نزل مضى، ويجوز أن يكاتب عبده على أن يطلب لسيده عبد الآبق أو بعيره الشارد، أو يغرس له كذا وكذا شجرة فإذا بلغت كذا فهو عتيق، وقد قيل: إنه إذا كاتبه على غرس كذا شجرة يغرسها له أن ذلك عدة للعتق لا كتابة. وفائدة الفرق أن ذلك يسقط بالفلس والموت إن جعلناه عدة، ويفسخ إذا رهنه الدين، وابن ميسر يرى أن هذا ليس بكتابة، والجمهور على أنه على حقيقة الكتابة، ولو كاتبه على وصفاء جاز، وكانت العادة في ذلك مع عدم الشرط كالشرط في النكاح، على شوار بيت.