(أنها سرقت). قال أبو محمد: الذي قال: سرقت أكثر من الذي قال: استعارت. وفي صحيح مسلم ما يدل على أنها سارقة لا جاحدة، ثم ذكر محل القطع، وأول ما يقطع منه يده اليمنى، ثم الرجل اليسرى في الثانية، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى هكذا من خلاف على حكم المحارب. واختلف المذهب إذا لم تكن له اليمنى أو كانت شلاء فقيل: يقطع يده اليسرى، وقيل: بل رجله اليسرى، والقطع عندنا من الكوع خلافا لمن رآى أنه من الأصابع وتغالى قوم وقالوا: هو من الإبط، ولم يصح عن أحد من الصحابة العمل عليه. وقال أبو حنيفة: لا يقطع في الثالثة ولا في الرابعة اعتمادا على قوله سبحانه: {فاقطعوا أيديهما} ولم يذكر الرجلين، والمعتمد عليه عندنا عمل الصحابة، فقد صح ما قلنا به عن أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وشذ قوم من أهل العلم إنه إن سرق في الخامسة قتل اعتمادا على حديث ضعيف الإسناد غير معمول به عند العلماء الثقات.
فرع: إذا قطع وجب عليه الغرم عندنا إن كان موسرا، وإن كان معسرا فهل يتبع بقيمة السرقة دينا في الذمة أم لا؟ قال ملك: لا يتبع بها. وقال الشافعي: يتبع بها، وهو مروي عن مالك وهو الأصح لأن القطع الذي هو حق لله لا يسقط الغرم الذي هو حق الآدمي، واتفقوا على أنه يردهما مع قيام PageV02P1321 # عينيها، وقال قوم من أهل العلم: لا غرم على السارق، لأن الله سبحانه قال: {فاقطعوا أيديهما} ولم يذكر غير ذلك وهو خطأ، لأنه وإن لم يذكره في هذه الآية فقد قرره في أصول الشريعة، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه. قال أبو حنيفة: المالك بالخيار في السارق إن شاء أغرمه (ولم يقطعه)، وإن شاء قطعه ولم يغرمه، وهذا هذيان منه. PageV02P1322
كتاب العتق والولاء وما يتصل (به)
قال القاضي: -رحمه الله- "ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء" إلى آخره.
شرح: العتق من أعمال البر، وخصال الخير قال -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: (من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه). وفي حديث مسلم عن ابي ذر قال: (قلت: يا رسول الله أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا) الحديث. وههنا تنبيهان يتعلقان بلفظ هذا الحديث.
الأول: إذا كان الكافر أغلى ثمنا هل هو أفضل أم المسلم. قال مالك: عتق الكافر في هذه الصورة أفضل، وقال عنه: عتق المسلم أفضل.
التنبيه الثاني: إذا كان المعتق ناقص بعض الأعضاء لم يستنقذ من النار ما قابل العضو الناقص، لأنه يصح أن يتألم بعض الجسد دون بعض لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود) ويحتمل أن يكون مخرج PageV02P1323 # الحديث على الأغلب والتنبيه على الفضيلة فيستنقذ الجميع على هذا، سيما إذا لم يكن عتق الأنقص مقصودا وهو على قسمين (منجز ومؤجل) وكلاهما لازم (بالعقد) وفي كليهما أجر. قال الإمام أبو بكر بن المنذر: وقد انعقد الإجماع على أن للمعتق حرمة ليست لغيره من الصدقة بدليل أنه إذا أعتق جزءا من العبد كمل عليه لحرمة العتق، ولو تصدق بجزء من عرض أو عقار لم يجبر على التكميل، والدليل على وجوب التكميل ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق). وذكر ابن الطلاع في أقضيته (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فاوجب عليه استكمال عتقه، قال في الحديث حتى باع عليه غنيمة له) (لأن له أن يبتدئ بعتق الجزء ويجبر على التكميل.