قوله: "ولا تمنع الاستحاضة شيئا يمنعه الحيض": وهذا كما ذكره، يعنى من العبادات، وقد اختلف العلماء في جواز وطئها على ثلاثة أقوال، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه، ومنهم من منعه إن طال بها وإلا فلا، والصحيح أنها طاهر في أحكام العبادات والعادات، واختلفوا في استحباب الوضوء لها لكل صلاة، أو إيجابه، واختلفوا في غسلها، وأصل المذهب أنه لا غسل عليه إلا الغسل المعتاد الواجب عند انقطاع دم الحيض، ولو انقطع دم الاستحاضة، فهل يستحب لها الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب الظاهر الاستحباب، والأحاديث في حكم الاستحاضة تختلف. واستحب مالك الغسل اعتمادا على حديث هشام بن عروة عن أبيه في شأن فاطمة بنت [أبي] حبيش لأنه أصح ما ورد في الباب، ففيه أن PageV01P282 # النبي -صلى الله عليه وسلم -قال لها: إنما ذلك عرق وليست بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عند الدم، وصل ويحتمل أن يريد ما رواه أيضا عن هشام عروة عن أبيه أنه قال: (ليس على المستحاضة إلا أن تغسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة).
قوله: "وللطهر علامتان الجفوف والقصة البيضاء": فالجفوف: هو أن تدخل الخرقة تخبر بها نفسها فتخرجها جافة وذلك دليل انقطاع الدم. والقصة: ماء أبيض يخرج من الفرج، وروى علي بن زياد عن مالك أنه يشبه المني وروى ابن القاسم أنه يشبه البول، وقيل: ماء أبيض يشبه العجين، وقيل؛ القصة شيء يكون كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم، وقيل: إنه يشبه ماء الجير.
واختلف المذهب أيهما أبلغ، فروى ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أن الجفوف أبلغ، وقال ابن القاسم: القصة أبلغ، وهذا في المعتادة، وأما المبتدأة، فاتفقوا على أنها لا تطهر إلا بالجفوف وقال أبو الوليد: وهذا نزوع إلى قول ابن عبد الحكم، فإذا قلنا تنتظر الأبلغ، فذلك ما لم تخف فوات الوقت، وهل المقصود الوقت الاختيار، أو الاضطرار، فيه قولان في المذهب. PageV01P283
قوله: "وإذا طهرت الحائض (أو النفساء) لم توطأ إلا بعد الغسل": وهذا كما ذكره القاضي وبه قال الجمهور، واعتمادا على قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] الآية. المعنى: ولا تقربوهن حتى يطهرن من دمهن بانقطاعه، فإذا تطهرن بالماء، فاتوهن من حيث أمركم الله، وسواء انقطع (دمها) لأكثر دم الحيض أم لا؟ وبه قال جمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجيز له أن يطأها حتى تغتسل، أو يجيء آخر وقت الصلاة، وإن انقطع الدم لأكثر أمد الحيض جاز وطؤها قبل أن تغتسل، والدليل قوله تعالى: {إن الله يححب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] مدحهم بالتطهير، فدل على أن المراد به الغسل لانقطاع الدم، لأن ذلك ليس من فعلهن، ولو وطئت لم يجز وطؤها بالتيمم على مشهور المذهب، وقال الشيخ أبو إسحاق: ويجوز وطؤها، وقال ابن بكير: إذا انقطع دمها، فالإمساك عنها استحبابا لا إيجابا بناء على أن المقصود زوال الأذى، وهو مرتفع بانقطاع الدم والله أعلم. PageV01P284