كتاب الشفعة والقسمة
قال القاضي -رحمه الله-: "ولا شفعة إلا في عقار أو ما يتصل به" قلت: الشفعة مشقة من (الشفع) الذي هو ضد الوتر، لأن الشفيع شفع حظه بالحفظ المستشفع فيه فصار شفعا بعد أن كان وترا، وقيل: إنها مشتقة من الشفاعة، لأن فيها توسطا وعدلا بين الشركاء عند المشاحة في الأملاك (وقيل: من الزيادة، قال الله تعالي: {من يشع شفاعة حسنة} [النساء: 85] أي: يزيد عملا صالحا إلى عمله) وهي قاعدة أنشأتها المصلحة، ودعت إلهيا الضرورة، وإلا فهي خارجة عن أصول الشرع، لأن فيها جبرا لمالك على الخروج عن ملكه (دفعا) لضرر الشركة، قال بعض (أشياخنا) وقيل: إنها معلة برفع ضرر القسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، وأجمع المسلمون على أنها مشروعة، والدليل على ذلك قوله -صلي الله عليه وسلم-: (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) ولم يختلف العلماء أنها واقعة PageV02P1185 # في الأرضين كلها مبنية كانت أو غير مبنية، واختلفوا فيما سوي ذلك، والجمهور على أنه لا شفعة فيما عدا العقار اعتمادا منهم على دليل الخطاب في قوله -صلي الله عليه وسلم- (الشفعة فيما يقسم) فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة).
وقسم القاضي محل الشفعة ثلاثة أقسام: عقار، ومتعلق بالعقار كالبئر، وفحل النخل، ومشبه به كالثمار، وكراء الأرض للزرع ونحوه، ودرج في هذا التقسيم أنواعا مختلفة أما العقار فلا خوف في وجوب الشفعة فيه، واختلف المذهب في مسائل:
المسألة الأولى: ما لا ينقسم من العقار إلا قسمة فساد كالحمام والرحي ونحوه، وهل تثبت فيه الشفعة أم لا؟ اختلف فيه عن مالك على قولين: إثبات الشفعة ونفيه، فالإثبات لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (الشفعة في كل شرك) والنفي لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضرار) وقياسا على العبد والعرض ونحوه مما لا ينقسم، وكذلك الخلاف في جواز قسمته وإن أدي ذلك إلى الفساد، وهل يجبر ليها من أباها أم لا قولان، وحكي بعض أشياخنا في أحجار الرحي ثلاثة أقوال: وجوب الشفعة فيها لابن وهب، ونفي الشفعة مطلقا، والشفعة في الأسفل لكونه من البنيان دون الأعلى. PageV02P1186
المسألة الثانية: اختلف المذهب في الشفعة في الثمار على قولين المشهور وجوب الشفعة وهو قول ابن القاسم، وأشهب كان الأصل لهما أو لم يكن، والشاذ نفي الشفعة قاله المغيرة وابن الماجشون لأنها من قبيل (المنقولات) وهو قول الشافعي، وقال مالك في قوم شركاء في ثمرة إذا كان الأصل لهم، أو كانت النخل في أيديهم مساقاة، أو كانت حبسا على قوم، وأثمرت فباع أحدهم نصيبه منها فإن شركاءه يأخذون ما باع بالشفعة.
المسألة الثالثة: البئر والنخلة الواحدة ونحو ذلك هل فيه الشفعة أم لا فيه القولان الجاريان فيما لا ينقسم من العقار.
المسألة الرابعة: في أكرية الدور والمدين وكتابة المكاتب، هل في ذلك الشفعة أم لا فيه قولان في المذهب، وذلك مثل أن تكون الدار بين مالكين فيكري أحدهما نصيبه فشريكه أحق بذلك من الأجنبي، وكذلك صاحب الدين أحق بالدين الذي عليه من الأجنبي، وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (قضى بالشفعة في الدين) والمكاتب أولى بنجومه من المشتري اعتمادا على قاعدة رفع الضرر.
المسألة الخامسة: الأنقاض هل فيها شفعة أم لا. اختلف المذهب في ذلك على قولين إثبات الشفعة ونفيها، قال مالك في قوم بنوا في عرصة مغارة فباع أحدهم نصيبه من النقض فرب الأرض مبدأ فإن شاء أخذ ذلك PageV02P1187 # بالأقل من القيمة نقضا، أو الثمن، فإن أبى فلشريكه أخذه بالثمن، وقال أشهب: لا شفعة في ذلك لشريكه، إذا لا ملك له في العرضة، قال: وهو بيع لا يجوز بيعه جميعا، أو أحدهما لأن رب الأرض له أن يبقيه، ويؤدي قيمته نقضا، أو يأمره بقلعه، فلم يدر المشتري ما اشترى نقضا أو قيمته.