واختلف المذهب إذا اشترط أحدهما نفي الضمان فيما فيه الضمان أو عكسه، هل يعتبر الشرط أم لا؟ قولان: المشهور اعتبار الشرط، والشاذ اعتبار الأصل وقد قال -صلي الله عليه وسلم- (من ألزم نفسه شيئا لزمه) فعلي مقتضاه الاعتماد.
قوله: "وإن كانت إلى أجل لم يكن للمعير الرجوع فيها إلى انقضاء الأجل": قلت: العارية على قسمين: مؤجلة، ومبهمة، فالمؤجلة (تبقي) إلى انقضاء أجلها سواء كانت عقارا، أو حيوانا، أو عروضا، فإن أعاره عارية مبهمة فهل تحمل إلى أجل المثل أم له الارتجاع في الحال قدمنا فيه قولين، ومن ذلك، أن يعيره أرضا ليبني فيها، أو يغرسها، فأما قبل فراع المدة المشترطة أو المعتادة فليس له إخراجه، وأما بعد فراغ المدة المشترطة، فهل له إخراجه، وعليه أن يعطيه ما أنفق [وقيمة ما بني فيه قولان عندنا، والمشهور من المذهب أن المدة المعتادة كالمشترطة، وأما بعد فراغ كل واحد من المدتين فله الإخراج، وعليه قيمه البناء والغرس مقلوعا، فإن أبي رب البناء أو الغرس إلا أن يأخذ عين لبنه وأحجاره وشجره، فله ذلك إلا أن تكون مما لا قيمة له بعد النقض فلا يكون للباني فيه قيمة البتة، واختلف المذهب إذا اختلفا في دعوي الرد، فقال المستعير: رددت، وقال المعير: لم ترد، فالقول قوله عند ابن القاسم في كل ما لا يصدق المستعير في ضياعه، وأما ما يصدق المستعير في ضياعه فالقول في الرد قوله مع يمينه. PageV02P1145
(كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق)
قال القاضي رحمه الله تعالي: "
كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق
": قلت: الغضب وضع اليد العادية، ورفع اليد المالكة على وجه القهر، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق} [الشورى:42] وقال تعالي: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة:188] والآيات الدالة على تحريمه كثيرة، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وانعقد الإجماع على تحريم الغصب، وأخذ المال بغير حقه مطلقا، فإذا ثبت هذا تعين إتباع لفظ القاضي -رحمه الله-: "ومن أتلف مالا لغيره ظلما لزمه بدل ما أتلف" وهذا كما ذكره PageV02P1147 # إلا أن قوله ظلما لا معني له، لأن الغرم واجب عليه على كل حال سواء كان الإتلاف ظلما أو تأويلا أو خطأ، فتقيده بخصوصية الباب لا بخصوصية الحكم، وأطلق القاضي القول في التلف عموما فقال: "ومن أتلف" فدخل في عموم لفظه المكلف وغير المكلف، ولا شك أن حكم المكلف ظاهر في الغرامة والعقوبة، أما الغرامة فقد فسرها القاضي، قال علماؤنا: ويعاقبه الإمام على قدر اجتهاده بما يراه من أدب أو سجن إن كان مكلفا، وأما غير المكلف يؤدب كما يؤدب الصبي في المكتب.
واختلف المذهب في الصغير الذي لا يعقل إذا تلف على ثلاثة أقوال: أحدهما: الأموال هدر، والدماء على العاقلة، والثاني: الأموال والدماء هدر كالعجماء، لأنه غير مكلف، والثالث: أن الأموال لازمة في مال، والدماء على عاقلته، وكذلك الجراحة إذا كانت الثلث فصاعدا، وسواء كان التلف بمباشرة المتلف كالقتل والأكل والإحراق والهدم، أو بتسبيبه مثل: أن يفتح قفصا فيطير منه طائر، أو يحفر بئرا في محل (عام) فيهلك فيه هالك، أو يحل دابة من ربطها، فتذهب، أو عبدا مقيدا فيهرب، فيضمن في جميع ذلك، واختلف المذهب في فروع من هذا النمط، إذا فتح باب دار فيها دواب، فذهبت فهل يضمن أم لا؟ فيه خلاف عندنا، فقيل: هو ضامن مطلقا، وقيل: إن كان في الدار أربابها لم يضمن، وإن لم يكونوا فيها ضمن، وقال أشهب: إن كانت الدواب مسرحة ضمنها، وإن كان رب الدار فيها، ثم قسم القاضي البدل قسمين: مثل، وقيمة، فالمثل في المكيل والموزون والمعدود كالبيض PageV02P1148 # والجوز ونحوه، والقيمة في العروض والحيوان (عندنا خلاف للشافعي وأبي حنيفة حيث أوجبوا في العروض والحيوان) المثل لا القيمة، إلا أن يعدم المثل والمعتمد لنا قوله-صلي الله عليه وسلم- (من أعتق شركا في عبد قوم عليه قيمة عدل) الحديث. عدل النبي -صلي الله عليه وسلم- عن المثل إلى القيمة بيانا للواجب، واعتمد الآخرون على مأخذين: